أخبار المنتصف
أخبار عاجلة
مقالات

الشرق الأوسط الجديد ” الأردن في عين العاصفة”… بقلم د. سعيد المومني

د. سعيد المومني كاتب أردني ومحلل سياسي

الشرق الأوسط الجديد .. الأردن في عين العاصفة

د. سعد المومني - المنتصف
د. سعيد المومني – المنتصف

صحيفة المنتصف

منذ مطلع الألفية الثالثة، والشرق الأوسط يعيش في حالة مخاض متواصل. تتغير الخرائط السياسية، تتحول التحالفات، وتُعاد صياغة أولويات الأمن والاقتصاد. لكن العبارة الأكثر إثارة للجدل التي لخصت هذا المسار كانت ما نطقت به وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس في صيف 2006، وهي تبرر صمت واشنطن أمام دمار بيروت: “ما نراه هنا هو آلام ولادة شرق أوسط جديد”. حينها بدا أن المنطقة تُدفع إلى إعادة تشكل كبرى على إيقاع القوة الأميركية والإسرائيلية.

لكن ما لم يُدركه كثيرون أن “الشرق الأوسط الجديد” لم يكن مشروعاً واحداً متماسكاً، بل تحول إلى شعار فضفاض يتكرر في كل عقد، بوجه جديد وأهداف متباينة: مرة أميركياً بحتاً، ومرة بوصفه توصيفاً للأزمات البنيوية المتراكمة ومرة إسرائيلية – خليجية اقتصادية. واليوم، بعد مرور قرابة عشرين عاماً، يحق للأردنيين أن يسألوا: أين كنّا عندما انطلق المصطلح، وأين أصبحنا الآن؟

المحطة الأولى .. أميركا و”مخاض الولادة

جاءت الفكرة أولاً في أروقة واشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر وغزو العراق. إدارة بوش الابن طرحت مشروع “Greater Middle East” كإطار لإصلاحات سياسية – اقتصادية تمتد من المغرب حتى باكستان. كان الهدف المعلن: الديمقراطية والانفتاح، والهدف الضمني: إعادة هندسة المنطقة بما يتوافق مع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.

ثم جاء خطاب رايس في تموز 2006 أثناء حرب لبنان ليمنح الشعار حياة سياسية جديدة. آنذاك كان يُفترض أن هزيمة حزب الله، بالتوازي مع عزل سوريا، وتطويع الفلسطينيين بعد حصار غزة، ستمهّد لبنية شرق أوسط مختلف. لكن النتائج جاءت عكسية: حزب الله خرج أقوى، المقاومة الفلسطينية صمدت، والعراق غرق في الفوضى.

الأردن آنذاك كان يُنظر إليه كحليف مستقر للغرب والولايات المتحدة، وصاحب نفوذ نسبي في إدارة الملف الفلسطيني. لعب دور الجسر بين الخليج والفلسطينيين والإسرائيليين، وحافظ على موقعه كعنصر استقرار إقليمي وسط تصاعد التوترات كما كان يمتلك حضوراً اقتصادياً محدوداً في الإطار الإقليمي، لكنه حافظ على استمرارية مصالحه الأساسية.

المحطة الثانية .. التحولات البنيوية

مع اندلاع ثورات الربيع العربي، دخل المصطلح مرحلة ثانية. لم تعد واشنطن هي من يقود إعادة التشكيل، بل فوضى داخلية أنتجت شرقاً أوسط مغايراً تراجعت فيه أدوار تقليدية لمصر والعراق وسوريا. وصعود قوى جديدة: تركيا، إيران، وفاعلون من غير الدول (داعش، الحوثي، الميليشيات الشيعية).

في هذه المرحلة، لم يكن هناك مؤتمر أو خارطة رسمية تحمل اسم “الشرق الأوسط الجديد”، لكن كان واضحاً أن هنالك تحول بنيوي عميق في موازين القوى. وصار الخليج مركز ثقل سياسي واقتصادي، فيما تحولت دول الأطراف إلى بؤر نزاع أو ساحة صراع بالوكالة.

الأردن في هذه الحقبة لعب دور الحاجز المستقر نسبياً وسط الإعصار، لكنه أصبح مُثقلاً بأزمات اجتماعية وتحمل تبعات اللاجئين السوريين، مرهق اقتصادياً، ومُحاصر بتحولات جيوسياسية لم يكن فاعلاً رئيسياً فيها دون أن يمتلك أوراق نفوذ كبيرة مقارنة بالقوى الإقليمية الكبرى .

المحطة الثالثة .. الشرق الأوسط الاقتصادي التطبيعي

جاءت الاتفاقيات الإبراهيمية 2020 لتفتح الباب أمام سردية جديدة؛ شرق أوسط يتجاوز الصراع العربي – الإسرائيلي ويدخل في مرحلة شراكات اقتصادية – تكنولوجية – أمنية بين إسرائيل ودول عربية (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان).

في إسرائيل، أُستعيد خطاب “الشرق الأوسط الجديد” الذي أطلقه شمعون بيريس في التسعينيات: (شبكة تعاون إقليمي تقودها التكنولوجيا والاستثمار)، الإعلام الغربي كرّر العنوان ذاته، مهللًا لـ “ولادة شرق أوسط جديد”.

موقع الأردن في هذه المرحلة، أصبح مراقباً أكثر من كونه فاعلاً، محتفظاً ببعض أوراق المصالح التقليدية لكنه محدود التأثير على التحولات الاقتصادية والسياسية الإقليمية.

الخليج ومصر .. إعادة تعريف الأدوار

في هذا المشهد المتغير، أعادت قوى عربية رسم أدوارها وفق مصالحها الجديدة.

السعودية انتقلت من التبعية الكاملة للمعادلة الأميركية إلى لاعب يسعى لتوازن بين واشنطن وبكين وموسكو، مع اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان الذي يملك سلاحاً نووياً، فيما شكّلت “رؤية 2030” إعلاناً لإعادة تشكيل الاقتصاد والدور الإقليمي.

الإمارات اعتمدت السبق الاقتصادي والتكنولوجي والانفتاح، وكانت في طليعة المطبعين مع إسرائيل، مقدمة نموذجاً لشرق أوسط يقوم على الشراكة لا على الصراع.

قطر استخدمت القوة الناعمة حيث وظفت الإعلام والوساطات لتصبح فاعلًا يتجاوز وزنها الجغرافي، مستثمرة شبكة علاقات تمتد من واشنطن إلى طهران، افغانستان وغزة.

مصر رغم فقدان كثير من مركزيتها بعد 2011، بقيت عنصراً حاضراً في ملفات غزة وليبيا وشرق المتوسط، وإن بوزن أخف مما اعتادت عليه.

هذه التحولات تكشف أن معظم القوى الإقليمية طوّرت أدوارها بطرق متعددة، بينما بقي الأردن يراوح مكانه، غارقاً في أزماته، فاقداً زمام المبادرة.

أين الأردن وفلسطين في هذا المخاض؟

عندما انطلق مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” عام 2006، كان الأردن يُقدَّم باعتباره الحليف المستقر، الجسر بين العرب والإسرائيليين، وصاحب الوصاية الهاشمية على القدس. فلسطين آنذاك كانت محاصرة، منقسمة بين غزة ورام الله، لكنها في قلب المعادلة الأميركية والإسرائيلية.

بعد أكثر من عشرين عاماً من انطلاق الحديث عن “الشرق الأوسط الجديد”، يحق أن نسأل: ماذا أنجزنا بعد عشرين عاماً؟ الحقيقة المؤلمة أن الأردن اليوم أضعف مما كان عليه، فقصته مع هذا المشروع هي قصة الذوبان البطيء، سنجد أن الأردن بات أضعف مما كان عليه عند بداية الطرح. فاقتصادٌ منهك يرزح تحت مديونية خانقة، وفسادٌ متراكم لم يُفتح حسابه، وفضائح سياسية وإدارية مزمنة، ملفات استراتيجية لم تُحل (المياه والطاقة) ورُبطت مع كيان يهدد استقرار الأردن، كلها جعلت الدولة أكثر هشاشة في مواجهة تحولات إقليمية متسارعة. الأردن الذي كان في مطلع الألفية شريكاً حاضراً في الحسابات الغربية والإقليمية، أصبح اليوم أقرب إلى “الدولة المراقبة” التي لا تمتلك أوراق القوة بقدر ما تبحث عن فسحة وقت في وجه رياح التغيير.

أما فلسطين، فقد خُيّل لكثيرين أنها على طريق الذوبان في معادلات التطبيع والاندماج الاقتصادي، لكن السابع من أكتوبر أثبت – بثمن كارثي إنسانياً وجيوسياسياً – أن القضية لا يمكن شطبها من المعادلة. صحيح أن الكلفة كانت باهظة على غزة وعلى الفلسطينيين عموماً، لكن الحدث أعاد فرض فلسطين كأحد محددات أي مشروع إقليمي، وجعل استبعادها مستحيلًا على المدى المنظور.

بين الضعف والاستعداد

“الشرق الأوسط الجديد” لم يكن مرة واحدة، بل ثلاث ولادات متعاقبة؛ أميركية بالقوة (2006)، بنيوية بالفوضى (2011–2020)، واقتصادية بالتطبيع (2020–2023). كل ولادة حملت آمالاً عند البعض وتهديدات للآخرين، لكن النتيجة واحدة: لم يولد شرق أوسط مستقر أو متفق على قواعده.

اليوم، ومع حرب غزة وما ترتب عليها من ارتباك إقليمي ودولي، يمكن القول إننا أمام “مرحلة رابعة”. ليست مجرد استمرار لما سبق، بل محصلة متفجرة لكل تلك الولادات. مرحلة أعادت فلسطين إلى مركز المشهد، ووضعت الأردن في عين العاصفة أمام عدة تحديات:

أزمة الطاقة والمياه والنزوح الإقليمي.

الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

الحاجة إلى حماية الأمن الجيوسياسي والاقتصادي.

أما السؤال الملحّ: هل هناك بصيص أمل أم أننا في مسار تآكل متواصل؟ ربما لا يمكن الجزم، لكن ما هو مؤكد أن الأردن لا يملك رفاهية الانتظار السلبي. الاستعداد لموجة التغييرات القادمة يقتضي إعادة بناء الداخل: اصلاح سياسي جذري، مكافحة الفساد بجدية، تقوية الاقتصاد المنتج، وتثبيت موقعه في المعادلة الفلسطينية لا باعتباره متلقياً سلبياً بل كفاعل يملك مبادرة ورؤية.

فالشرق الأوسط الجديد يتشكل، شئنا أم أبينا. السؤال ليس إن كان سيأتي، بل: بأي موقع سيدخل الأردن “المرحلة الرابعة”؟ هل سيبقى على الهامش يذوب في حسابات الآخرين، أم يحاول استعادة دوره بقدر ما تسمح به أوراقه المحدودة؟ هنا يكمن التحدي، وهنا أيضاً – إن توفرت إرادة الإصلاح – يكمن بصيص الأمل.

عن مدونة الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد المومني

#DrSaeedAlMomani

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى