“كنيسة القيامة بين القدسية والتاريخ” أ.د. حنا عيسى

دراسة خاصة: “كنيسة القيامة بين القدسية والتاريخ”
أ.د. حنا عيسى – أمين عام الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات

حنا عيسى
المنتصف / أ د حنا عيسى

صحيفة المنتصف

المقدمة
لحظة وصولك مدينة القدس، وتخطي أسوار البلدة القديمة فيها، تعبق حواسك بتاريخها الحافل وقدسية معالمها، فتسمع نداء الله أكبر من على مآذن وقباب المسجد الأقصى المبارك، وتطرب أذنيك بقرع أجراس القيامة، ويذهل بصرك من عجائب بنيانها ودقة هندستها، فهذه المدينة تحوي بين حجارة أسوارها أعظم مسجد للمسلمين وأشرف كنيسة للمسيحيين، كنيسة القيامة…
تعد كنيسة القيامة من أعرق وأقدم وأهم الكنائس في العالم، وهي تقع في حارة النصارى في قلب القدس، استغرق العمل في بنائها أحد عشر عاما إذ بدأ عام ثلاثمائة وخمسة وعشرين وانتهى عام ثلاثمائة وستة وثلاثين للميلاد، إذ كان طولها 54 مترا وعرضها 62 مترا، وكان موضعها يقع خارج محيط السور الذي أحاط بالقدس في ذلك الوقت.
أشرفت على بنائها الملكة هيلانه والدة الإمبراطور قسطنطين عندما حضرت إلى القدس في الثلث الأول من القرن الرابع للميلاد وقد تجاوز سنها الثمانين، وكانت القدس آنذاك خربة، وكان الوثنيون قد أقاموا في الجلجلة – مكان الكنيسة اليوم- هيكلا للمشتري وتمثالا للزهرة فأمرت الملكة بهدم هذه التماثيل وأمرت بالتنقيب بالمكان بحثا عن الصلبان ،..ويتردد أن هيلانة عثرت أثناء زيارتها إلى بيت المقدس قبيل على ما اعتقدت أنه خشبة الصليب الذي علق عليه السيد المسيح داخل بئر في بستان يوسف الرامي فأرادت بناء كنيسة في المكان .
لبى الإمبراطور رغبة والدته، ولم يوفر مالا ولا حرفيين أو خبراء في سبيل بناء كنيسة لائقة، وأشرف على البناء بشكل مباشر مهندس اسمه “زينو بيوس”، ورجل دين من شيوخ الكنيسة اسمه “يوستاثيوس”.
تم تكريس كنيسة القيامة سنة ثلاثمائة وست وثلاثين، وتوجه الأساقفة الذين كانوا يحضرون مجمعا محليا في صور إلى بيت المقدس للمشاركة في حفل التكريس الذي أعلنت فيه قدسية كنسية القيامة أو الضريح المقدس.
وبني فوق الضريح المقدس بناء مدور، وبنيت ما بين الباب والمبنى المدور باسيليكا كبيرة، وخمسة أروقة بين الأعمدة مع جناح مدور بارز في ساحة متسعة، فبقي موضع الصليب منعزلا على حدة باعتباره مزارا قائما بذاته.
حظيت كنيسة القيامة باهتمام البطريرك زخريا سنة 609م، وعلى عهده قرر ملك الفرس كسرى أن يهاجم مدينة القدس سنة 614م، وأرسل إلى هناك قائده قورش حيث احتل القدس ودمر كنائسها وأحرقها، واستولى الفرس خلال هذا الهجوم على خشبة الصليب.
وبعد هدمها أعاد بناءها سنة 636م الراهب “مودستوس” رئيس دير العبيديين في ذلك الوقت، وفي هذا الوقت عاد إلى القدس من جديد بطريركها زخريا الذي سيق أسيرا إلى بلاد فارس ومعه الامبراطور “هرقل” حاملا على كتفه خشبة الصليب المقدس معلنا إعادتها من فارس إلى كنيسة القيامة من جديد ولما فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس أعطى النصارى أمنا لأنفسهم وكنائسهم، ولم يصبها بأذى حتى إنه أبى أن يصلي في كنيسة القيامة وقد حان وقت الصلاة وهو فيها على الرغم من أن البطريرك صفرونيوس أشار عليه أن يصلي حيث كان، إلا أنه اعتذر وصلى على مقربة منها وخشي إن صلى بالكنيسة أن يتخذ المسلمون بعده ذلك حجة ويطالبوا بحق لم يكن لهم فيها.
وأدت زيارة الخليفة عمر بن الخطاب إلى كنيسة القيامة بصحبة بطريرك القدس آنذاك صفرونيوس إلى إصدار أشهر وثيقة سلام عرفها التاريخ وهي “العهدة العمرية” والتي جاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين، أهل إيلياء “القدس” من الأمان: أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، سقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه امن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو امن، وعليه ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم “أي كنائسهم” وصلبهم “أي صلبانهم” فإنهم امنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم…
وفي سنة 746م ضرب القدس زلزال عنيف أثر على بنيان كنيسة القيامة وقد أرسل الملك شارلمان أموالا ساعدت على إعادة بناء وإعمار الكنيسة بموافقة الخليفة هارون الرشيد.
وفي عهد الخليفة العباسي المأمون سنة 817م رمم البناء الذي أقامه “مودستوس” البطريرك توما الأول حيث أحضر من قبرص أخشابا من الأرز والصنوبر وأنشأ بها قبة للكنيسة ثم كساها بصفائح الرصاص كما وتبرع أحد رجالات مصر آنذاك ويدعى بكام أو مكاريوس القبطي بمبالغ مالية لإكمال بناء القبة وفي عهد الإخشيديين مصر عام 965م أحرقت الكنيسة وسقطت قبتها وكان ذلك في ولاية محمد بن إسماعيل الصناجي، وعلى قول المؤرخ الأنطاكي أن هذه الحاثة جرت على أيدي اليهود حيث أحرقوا الكنيسة بعد أن قتلوا بطريركها العسقلاني خريستوفورس، اما في زمن البطريرك يوسف الثاني سنة 980 فقد أعادوا بناءها، وفي عام 1009م أمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بهدمها فهدمت، إلا إنه عاد وأجاز للنصارى أن يعيدوا البناء من جديد، فشيدوا كنيسة القبر المقدس فقط، 1035 سمح الخليفة الفاطمي المستنصر بالله للنصارى ببناء الكنيسة من جديد، وقد تم البناء الجديد في عهد قسطنطين منوماخس سنة 1048م.
وعندما احتل الصليبيون القدس سنة 1099م وجهوا اهتمامهم لتعمير الكنيسة محافظين على المعابد فيها إلا أنهم جمعوا المعابد في كنيسة واحدة فوحدوا كنيسة انسطاسيا وكنيسة الشهداء والمعابد الأخرى وبنو شرقي القبر كنيسة عرفت باسم “كنيسة نصف الدنيا” بإشراف المعماري الفرنسي آنذاك جوردان، وشيدوا برجا للأجراس. وأعادوا بناء القبر المقدس من جديد في حدود سنة 1119م، وكان لكنيسة القيامة في ذلك الوقت بابان اخران من الغرب يؤديان إلى سوق حارة النصارى أما أحدهما فهو مخفي في إحدى دكاكين السوق والاخر ما زال ظاهرا للعيان، وفي سنة 1118م وصف الراهب الكريتي فوكاس كنيسة القيامة بأنها كانت مزينة بالذهب الذي أهداه امبراطور بيزنطة عمانويل.
وعندما فتح السلطان صلاح الدين الأيوبي القدس سنة 1187م أشار عليه بعض أصحابه أن يهدمها كي لا يبقى لنصارى الغرب حجة لغزو البلاد المقدسة إلا إنه أبى وأثر الاقتداء بعمر بن الخطاب فأبقاها وأمر المسلمين أن لا يمسوها بسوء، واتخذ دار البطريرك الكائنة شمال غرب الكنيسة سكنا له وأضاف عليها ما راه مناسبا لإقامته فيها، وهذه الدار أنشأها البطريرك ارنولف إبان الاحتلال الصليبي للقدس، وثم عرفت بعد أن وقفها صلاح الدين الأيوبي باسم “الخانقاه الصلاحية”. وبموجب اتفاقية الصلح بين السلطان صلاح الدين الأيوبي والملك ريكاردو ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا سمح صلاح الدين الأيوبي للحجاج النصارى بزيارة القدس والحج إلى الأماكن المقدسة في كنيسة القيامة ولا سيما لرهبان اللاتين.
وفي عام 1808م استعرت النار في معبد الأرمن وامتد اللهب إلى أنحاء الكنيسة فسقطت القبة، ولم يسلم من النار إلا جانب من الجلجلة وكنيسة القديسة هيلانه ومعبد اللاتين. وحصل الروم على إذن من السلطان محمود الثاني بترميم الكنيسة فرمموها 1810م، وشادوا فوق القبر المقدس البناء الموجود حاليا. وفي عهد إبراهيم باشا سنة 1834م تعرضت القدس لهزة أرضية أدت إلى تصدع كنيسة القيامة
أما في عهد العثمانيين فقد أعاد السلطان سليمان القانوني تنظيم الزيارات لكنيسة القيامة في مدينة القدس، ففرض ع الزوار النصارى إلى كنيسة القيامة ضريبة وفق التالي: الزائر اللاتيني 14 قرشا، والزائر اليوناني الأرثوذكسي 7 قروش، وعلى الأرمني 5، أما العربي والقبطي 3، وأعفى الحبش والكرد من هذه الضريبة، وأصدر فرمانا يمنح بموجبه عائلة غيضة المسلمة مفاتيح كنيسة القيامة وعائلة نسيبة الخزرجي فتح بوابة الكنيسة.
واخر ترميم لكنيسة القيامة كان في أواخر القرن التاسع عشر يوم اتفقت الدول الثلاث (فرنسا وروسيا وتركيا) بنفقات التعمير، وأن تتولى تركيا الإشراف على التعمير، وهذا ما جرى وقد بلغت النفقات التي صرفت لتعميرها عام 1869 م أربعين ألف ليرة ذهبا.
وفي عهد الانتداب البريطاني تعرضت القدس لهزة أرضية عام 1927م فأصاب الكنيسة ما أصاب غيرها من العمارات القديمة فتداركت الحكومة البريطانية الخطر وشدت البناء في مواضيع معينة بالخشب والإسمنت المسلح بالحديد، ونصحت الحكومة البريطانية الناس بعدم دخول الكنيسة قائلة إنها لا تتحمل أية مسؤولية إذا هم أصروا على الدخول.
معالم كنيسة القيامة….
وتتكون كنيسة القيامة من قبتين كبيرتين الواحدة أكبر من الأخرى بقليل…والكبرى وهي القائمة إلى الغرب فهي القائمة فوق القبر المقدس، والأخرى وهي إلى الشرق فهي قبة كنيسة نصف الدنيا. وتنضوي إلى هاتين القبتين كنائس أخرى مختلفة بالشكل والحجم والقوام، وتقدر مساحة الأرض القائمة عليها كنيسة القيامة بنحو ثمانين مترا في ستة وستين مترا.
وتحتضن كنيسة القيامة عددا كبيرا من الكنائس والأديرة التابعة لطوائف مسيحية عدة كالروم الأرثوذكس والفرنسيسكان والأرمن والسريان والأقباط والأحباش، وتشتمل الكنيسة من الداخل على صحن دائري يسمى القيامة يعلوه قبة ضخمة شيدها الإمبراطور قسطنطين بالقرن الرابع الميلادي وهي تشتمل على طابق علوي مرفوع على أعمدة رخامية يشتمل على رواق دائري يتخلله معابد صغيره وغرف مخصصة لسكن الرهبان.
وفي كنيسة القيامة عدا عن قبر المسيح سبعة قبور اثنان منها ليوسف الرامي وأسرته وهما في معبد كائن غربي القبر المقدس، واثنان اخران يقعان في غرفة موجدة يمين الباب القبلي الكبير للكنيسة، وهما لغودفري وبولدوين من ملوك الصليبيين، وواحد في حجرة للروم يسمونها “حبس المسيح” ولا أحد يدري لمن هذا القبر، وأمام الكنيسة من الخارج هناك قبر سادس لإنجليزي من قادة الصليبيين وهو فيليب دويتي، والسابع “قبر الأربعين شهيد” عند كنيسة مار يعقوب.
وهناك في كنيسة القيامة ثلاث عشرة بئرا تتجمع فيها مياه الأمطار، وكان الناس فيما مضى يخلعون نعالهم عند دخولهم الكنيسة ويظهر أن هذه العادة دامت حتى القرن التاسع عشر ثم زالت.
*واجهة كنيسة القيامة:
يوجد أمام مدخل الكنيسة بلاطة من الرخام رسم عليها ترس “نورماندي” حيث يقع قبر فيليب ابيوني معلم الملك هنري الثاني ملك انجلترا والذي وقع مع أخيه الملك جون على وثيقة “المغناكرتا” سنة 1215م، والتي تعد أصل الدستور البريطاني، في حين يقع على يسار الباب دكة عالية فرشت بالحصير والسجاد يجلس عليها السيد وجيه نسيبة متسلم مفاتيح القيامة.
*ساحة الكنيسة:
وتقع الساحة تجاه الباب الرئيس الذي يتوصل منه إلى داخل الكنيسة، وتمتد هذه الساحة على طول 25 مترا وعرض 17 مترا، وتشمل الساحة على عدد من الأعمدة والتيجان التي كانت تحمل أروقة ومباني الفرسان الاسبارتية إبان الاحتلال الفرنجي للقدس. وفي الجانب الاخر من الساحة يوجد جامع عمر بن الخطاب الشهير ذو المئذنة المملوكية المرتفعة، كما يحيط الكنيسة من جانبيها عدد اخر من الأديرة التاريخية فإلى اليمين يقع معبد الفرنج المعروف بـ “سيدة الأوجاع”، ودير السلطان الشهير، وكنيسة مار إبراهيم للروم الأرثوذكس، ومصلى الأرمن، وإلى اليسار تقع كنيسة يعقوب ومريم المجدلية والأربعين شهيدا…وتزحم ساحة كنيسة القيامة بالمصلين والجماهير المحتشدين من أنحاء العالم في يومي خميس الغسل وسبت النور من أسبوع الالام الذي ينتهي بعيد الفصح المجيد.
*برج الأجراس:
ويقع في الناحية الغربية من الكنيسة على يسار الداخل من بابها الجنوبي الوحيد المفتوح، وهو عبارة عن بناء مرتفع مخصص للأجراس لكنه غير مكتمل من العلو ومغطى بالقرميد، ويرجع تاريخ إنشاءه إلى الفترة ما بين 1160م إلى 1180م وهي فترة الاحتلال الفرنجي.
بابا الكنيسة الجنوبيان:
لكنيسة القيامة بابان كبيران يقعان لصق بعضهما في منتصف الواجهة الجنوبية للكنيسة، وقد سد الباب الجنوبي الشرقي بمداميك حجرية بعد ترميم الكنيسة إثر احتراقها سنة 1808م في حين بقي الباب الجنوبي الغربي مفتوحا إلى يومنا هذا.
درج الجلجلة:
ويقع على يمين الداخل إلى كنيسة القيامة تجاه دكة الحراس وتؤدي الدرجات نصف الدائرية إلى قوس باب من الحجر الأحمر تفضي إلى كنيسة الجلجلة للاتين ثم للروم ويعلو قوس الباب درابزين حجري تزينه مشربيات حجرية.
دكة الحراس:
وتقع على يسار الداخل مباشرة إلى كنيسة القيامة وهي مخصصة لوقوف حراس الكنيسة من عائلة نسيبة المقدسية ويوجد في واجهة الدكة ثلاث طاقات لها أبواب خشبية مخصصة لوضع حاجيات حراس الكنيسة.
حجر المغسل:
ويقع تجاه الباب الخارجي للكنيسة، وهو من أكثر أماكن الكنيسة زيارة، وضع في مكانه بعد ترميم الكنيسة سنة 1828م، وهو لكل من الروم والأرمن واللاتين، وترقى جذوره التاريخية إلى القرن الرابع عشر الميلادي.
قبة كنيسة القيامة:
تم تجديد قبة الكنيسة بعد أن اتفق رؤساء الطوائف المسيحية الثلاث في كانون أول (ديسمبر) من عام 1994م على القيام بأعمال الترميم في القبة الكبيرة التي تعلو القبر المقدس، وقد أعد التصاميم اللازمة لأعمال الزخرفة والبناء الفنان الأمريكي ارا نورمات، حيث تولت “البعثة البابوية في سبيل فلسطين” الإشراف الكامل على الأعمال بعد أن حازت على ثقة الطوائف الثلاث، وقد تم تدشين تجديد القبة في احتفال مهيب في الثاني من شهر كانون الأول من سنة 1997م مجسدة لشمس تسطع في منتصف القبة من الفتحة التي تعلوها في مركزها.
أقواس العذراء:
يفصل هذا الرواق بين الجانب الشمالي لكنيسة قبة نصف الدنيا وواجهة دير الرهبان الفرنسيسكان ويؤدي إلى حبس المسيح الكائن في الركن الشرقي للكنيسة ويعلوه أقبية صليبية متقاطعة محمولة على سلسلة من العمدان والعضائد الحجرية والرخامية.
رواق الصليبيين:
وهو رواق يصل المذابح الشرقية لكنيسة القيامة ببعضها البعض.
القبر المقدس:
ويقع في الناحية الغربية من الكنيسة، أسفل قبة الكنيسة الكبيرة الرئيسة، وهو عبارة عن بناء مرتفع مستدير الشكل يشبه بانثيون روما في شكله، مدعم ومرفوع على أقواس وثمانية عشر عمودا عالية لها قبة قطرها عشرة أمتار تقريبا، ويدخل إلى القبر من باب شرقي تزينه الرسوم المصورة والشمعدانات والنقوش الرخامية والقناديل والمصابيح الذهبية والفضية والرايات المقدسة. ويوجد بداخل القبر المقدس غرفة مثمنة الشكل طولها حوالي سبعة أمتار وعرضها ستة أمتار مكسوة بالرخام، تنتهي إلى حجرة أخرى تسمى “مصلى الملائكة” أو “معبد الملاك” طولها حوالي ثلاثة أمتار وعرضها كذلك، وعلى جانبيها طاقتان تخرج منهما النار في عيد سبت النور، وتعلو الغرفة من الداخل قناديل ذهبية خمسة منها للروم وخمسة للاتين وأربعة للأرمن وقنديل واحد للأقباط، وفي الداخل أيضا مقعد رخامي يمثل “قبر الخلاص” طوله متران وعرضه متر ونصف تزينه الشمعدانات الضخمة والأيقونات العتيقة، له سقف قائم على أعمدة رخامية بديعة التصميم، ويتدلى من السقف 34 قنديلا ذهبيا منها أربعة للأقباط، وثلاثة عشر للروم الأرثوذكس، وثلاثة عشر للاتين، وثلاثة عشر أخريات للأرمن، ويتألف القبر المقدس من بناء مستطيل طوله ثمانية أمتار، وعرضه خمسة أمتار، ملبس من داخله بالرخام الأحمر ويعرف بناءه من الداخل بـ “معبد الملاك” وهو حجرة داخلية تفضي بدورها إلى حجرة القبر المقدس، وقد شيد الروم الأرثوذكس القبر سنة 1808م وفقا لنقش رخامي ما زال واضحا على واجهة القبر من الداخل، ويمثل القبر المقدس اخر مراحل درب الالام وهي المرحلة الرابعة عشر.
وتشهد كنيسة القبر المقدس كل سنه وقبل أحد الفصح المجيد حدثاً رائعاً وملهماً للغاية فعند ظهر سبت النور، يدخل بطريرك القدس للروم الأرثوذكس إلى القبر المقدس، وينتظره في الخارج الأساقفة وباقي الإكليروس وبعد الانتهاء من الصلوات والأفاشين التي يتلوها البطريرك يظهر نور أعجوبي ويقوم البطريرك بإيضاء شمعتين ويخرج من القبر المقدس لتضاء باقي الشموع في الخارج، ويصل النور إلي معظم الكنائس الأرثوذكسية.
“الروم الارثوذكس”
*كنيسة الجلجلة:
وتقع إلى اليسار من كنيسة الجلجلة للاتين وهي تتصل بها كما إنها تساويها تقريبا بالمساحة، ويتصدرها إلى الشرق أيقونات وصور، وفي أسفلها مذبح صخري يقع إلى يمينه صخرة مشققة تنفذ إلى مغارة تحت الجلجلة تسمى “معبد ادم”، ويمكن أن تلمس اليد الصخرة المعروفة بالجلجلة التي تقع تحت المعبد مباشرة، وهذا تقليد قديم يعود إلى فجر الكنيسة. بالإضافة إلى وجود ثغرتين اخريين على جانبي المعبد تعرفان “بصليب اللصين”. في حيت يرتفع بين المعبدين هيكل سيدة الأوجاع والذي أهدته حكومة البرتغال لينصب في كنيسة القيامة سنة 1787م.
*كنيسة قبة نصف الدنيا:
وتقع تجاه القبر المقدس من ناحية الشرق، وهي من المعالم الجميلة داخل الكنيسة، وتعد مقر الكرسي البطريركي وبداخلها تجري المراسيم الدينية لطائفة الروم الأرثوذكس، كما أنها تشتمل على حجر يتوسطها يسمى “حجر نصف الدنيا” وفي صدرها الشرقي مذبح وعلى جانبيها أيقونات وصور متنوعة، وتسمى كنيسة نصف الدنيا أيضا بخورس اليونانا (كاثوليكوس) وهي ترقى إلى القرن الثاني عشر الميلادي.
*كنيسة ادم:
وتقع أسفل كنيسة الجلجلة وتشتمل على مغارة طبيعية فيها صخرة الجلجلة وراء لوح من زجاج، ويمكن الوصول إلى هذه الكنيسة بعد الدخول مباشرة إلى كنيسة القيامة في اتجاه الشرق قبل رواق الصليبيين.
*مكتب الروم الأرثوذكس:
وهو غرفة مظلمة تقع على يمين الداخل إلى كنيسة القيامة تحت كنيسة الجلجلة ويوجد فيه قبرا الملكان الصليبيان “غودفري وبلدوين”.
*مذبح القديس لونجينيس:
ويقع في رواق الصليبيين في الجانب الشرقي من الكنيسة على يسار النازل إلى الدرج المؤدي إلى كنيسة القديسة هيلانه، وهذا المذبح لطائفة الروم الأرثوذكس.
*مذبح المراثي:
ويقع في رواق الصليبيين في الجانب الشرقي من الكنيسة على يمين النازل إلى الدرج المؤدي إلى كنيسة القديسة هيلانه، ويسمى هذا المذبح أيضا “مذبح السخرية” وهو لطائفة الروم الأرثوذكس.
*كنيسة القديس يعقوب:
وهي تحد كنيسة القيامة من ناحية الغرب وتسمى أيضا بكنيسة مار يعقوب وهي للروم الأرثوذكس العرب، وبجانبها كنيسة القديس يوحنا المعروفة باسم “كنيسة يوسف نيقوديموس” أو “حاملات الطيب” وكنيسة مريم المجدلية، وفيها جرن معمودية يعود إلى القرون الوسطى، ثم كنيسة الأربعين شهيدا للأرمن، وفيها عدد من القبور لبطاركة القدس.
*معبد حبس المسيح:
يقع حبس المسيح للروم الأرثوذكس في الركن الشمالي الشرقي من كنيسة القيامة، ويتألف من قبو
منخفض في شماله ثلاثة مذابح، ويرجع تاريخ هذا الحبس إلى الفترة ما بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين، ويقول التقليد المسيحي الشرقي أن هذا المكان شكل حبسا للسيد المسيح عليه السلام أثناء مرحلة درب الالام.
دير أبينا إبراهيم:
وهو دير للروم الأرثوذكس، يقع في ساحة كنيسة القيامة من الجهة الجنوبية الشرقية. وفيه كنيستان إحداهما صغيرة تعرف باسم “أبينا إبراهيم”، والأخرى كبيرة تعرف باسم “الرسل الإثني عشر”.
ويعتقد أن أول من شيده الملكة هيلانة حوالي عام 335م، وقد هدم الفرس هذا الدير خلال احتلالهم للمدينة عام 614م، وبقي خرابا قرونا طويلة إلى أن أخذه الروس من الأتراك سنة 1887م فأعطوا قسما منه إلى الروم الأرثوذكس، حيث بنوا فيه هذا الدير، وبنى الروس في القسم الاخر ديرا لهم قريب من باب خان الزيت، هو المعروف بـ “المسكوبية”.
وبعد فتح الأتراك القسطنطينية 1453م جعل الاكليروس البيزنطي يتردد إلى الأراضي المقدسة، وبعد الفتح العثماني (1516م) بقليل صار على القدس بطريرك يوناني يدعى جرمانوس (1534-1579)، وهو الذي أسّس “أخوية القبر المقدس” التي يعد أعضاؤها حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الأرثوذكسي، واشترت بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس دير القديس إبراهيم عام 1660م من الأحباش وأكملوه، وعثروا تحته نحو سنة 1690 على كنيسة قديمة تعرف “بكنيسة الرسل”.‏
وقد استلمت الروم الأرثوذكس الدير سنة 1660 من الأحباش، فأكملوا بناءه وعثروا في أسفله سنة 1690م على بئر كبيرة تعرف بـ “كنيسة الرسل”، وقد سمي دير أبينا ابراهيم بهذا الاسم تيمنا بإبراهيم عليه السلام الذي قدم ابنه ليذبحه عند هذا المكان وفقا للتقليد المسيحي للروم الأرثوذكس، ولذلك يوجد في الكنيسة داخل الدير مذبحا وشجرة زيتون علق جدي بفروعها.
“الأرمن”
*دير يوحنا الإنجيلي للأرمن:
يقع شرق كنيسة القيامة وهو يقع بين دير مار إبراهيم للروم الأرثوذكس ودير مار ميخائيل.
*قبة الثلاث مريميات:
وهو حجر دائري يقع تجاه معبد الأرمن الأرثوذكس على يسار الداخل إلى كنيسة القيامة قبل الوصول إلى القبر المقدس وبالقرب من الدرج المؤدي إلى مخدع الأقباط الأرثوذكس فوق معبد الأرمن الأرثوذكس، ويرمز هذا الحجر إلى الثلاث مريميات حيث أقيم لذكرى المريميات اللواتي ساعدن المسيح عليه السلام وهن مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوسف، وأم ابني زبدى، ويعلو هذا الحجر الدائري قبة مدببة ترتفع على أربعة أعمدة رخامية.
*معبد الأرمن الأرثوذكس:
ويقع إلى يسار الداخل إلى كنيسة القيامة خلف الدكة التي يجلس عليها حراس الكنيسة، وإلى جانبها يقع الدرج الحجري الذي يفضي إلى معبد وردهات للأرمن الأرثوذكس.
*كنيسة القديسة هيلانه:
يتوصل إليها بعد النزول بدرجات يصل عددها 29 درجة، ويصل طول الكنيسة 30 مترا وعرضها 13 مترا، وتشتمل على قبة حجرية مرفوعة على ستة أعمدة كبيرة مزينة بتيجان مختلفة الأشكال، وفي شرق الكنيسة مذبح مزين جميل، ويمكن مشاهدة القبة من الخارج بعد الصعود عبر درجات دير السلطان إلى سقف كنيسة القيامة حيث يقيم الحبش اليوم، كما يمكن الوصول إلى القبة أيضا من خلال الطريق المؤدية إلى بطريركية الأقباط.
*الكنيسة الأثرية للأرمن:
يقع باب الكنيسة أسفل كنيسة القديسة هيلانه والتي كشف عن وجودها أثناء حفريات أجراها الأرمن وهي من أقدم المعالم التي تتألف منها كنيسة القيامة، ويمكن الوصول إليها بعد الدخول من هذا الباب الكائن في ناحية الشمال حيث إن موضعها بمحاذاة بركة هيلانه الكائنة لصق بطريركية الأقباط الأرثوذكس.
*مذبح اقتسام ثياب المسيح:
توسط مذبحي الروم وهو يسمى أيضا “مذبح السيدة العذراء” وهو لطائفة الأرمن.
“الفرنسيسكان – اللاتين”
*كنيسة الجلجلة “اللاتين”
تقع على يسار الداخل الى كنيسة القيامة فوق قبري غودفري وبلدوين، ويصعد إليها بدرج حجري يفضي إلى قاعتين، فالجنوبية منها لطائفة اللاتين، وهي تطل على معبد يوحنا الحبيب، وقد زينت الجدران والأسقف الداخلية للكنيسة بالفسيفساء في سنة 1938م بالرغم من أن هذه الجدران كانت مزينة أيضا بفسيفساء أقدم، ويشتمل معبد الجلجلة للاتين على مرحلتين من مراحل درب الالام العاشرة والحادية عشرة.
*دير الرهبان الفرنسيسكان:
ويقع في الجانب الشمالي الغربي من كنيسة القيامة وقد حصل امبراطور النمسا فرنسيس الأول على إذن خاص من الدولة العثمانية للرهبان الفرنسيسكان لبناء دير لهم في هذا المكان الذي أضيفت إليه طبقة جديدة سنة 1967، ويخصص الدير لخدمة الكنيسة من الرهبان الفرنسيسكان، ويسمى الدير أيضا باسم “معبد القربان الأقدس”، ويوجد إلى يمين الزائر في داخل الدير قطعة من حجر تسمى عامود الجلد كانت محفوظة منذ القرن الرابع الميلادي في كنيسة علية صهيون الكائنة في حي النبي داود جنوب القدس، وينسب هؤلاء إلى القديس فرنسيس الأسيزي الذي حضر إلى القدس سنة 1219م .
*مغارة الصلب:
يتوصل إليها بعد النزول من كنيسة القديسة هيلانه من الناحية الجنوبية الشرقية، وهي عبارة عن مغارة محفورة بالصخر مساحتها سبعة أمتار وارتفاعها خمسة أمتار تقريبا، وفي هذه المغارة عثرت هيلانه على خشبة الصلب وفقا للكنيسة الفرنسيسكانية.
*كنيسة الفرنج ومذبح القديسة مريم المصرية:
وتقع في الناحية الشرقية من الكنيسة، بين دير السلطان والباب الجنوبي لكنيسة القيامة، ويصعد إلى هذه الكنيسة عبر درجات تقع على محاذاة الواجهة الجنوبية لكنيسة القيامة، وتطل شبابيك كنيسة الفرنج على معبد الجلجلة والتي كانت قديما مدخلا خارجيا لها.
*كنيسة السريان الأرثوذكس:
تقع في الجانب الغربي من كنيسة القيامة باتجاه كنيسة الأقباط الكائنة خلف القبر المقدس مباشرة ويمكن الوصول إليها بعد الدخول من ممر ضيق بين العمودين يؤدي للكنيسة التي تتشكل من مقبرة قديمة تشتمل على أقبية محفورة بها قبر يوسف الرامي وقبر نكيديموس.
“الأقباط”
*دير السلطان:
وهو من الأديرة القديمة بالقدس، تبلغ مساحته حوالي 1800 مترا مربعا، وقد احتله الرهبان اللاتين بعد استيلاء الصليبيين على المدينة، ولكن صلاح الدين الأيوبي أرجعه للأقباط الأرثوذكس بعد تحرير بيت المقدس، فعرف من وقتها باسم دير السلطان. يلاصق هذا الدير سطح كنيسة القيامة من الجهة الشرقية، ولدير السلطان أهمية خاصة عند الأقباط لأنه طريقهم المباشر للوصول إلى كنيسة القيامة. وقد ادعى الأثيوبيون (الأحباش) ملكيتهم لهذا الدير بتشجيع من البريطانيين أثناء احتلالهم لفلسطين، وفي منتصف ليلة عيد الفصح في 20/4/1970 قام اليهود بتغيير مفاتيح الدير وتسليمها للأثيوبيين، وعلى الرغم من نيل الكنيسة القبطية حكما قضائيا من المحكمة الإسرائيلية العليا بملكية الدير للأقباط سنة 1971، إلا أن سلطات الاحتلال ترفض تنفيذ القرار. وفي الدير كنيستان كنيسة الملاك وكنيسة الحيوانات الأربعة.
ويذكر أن الجذور التاريخية لمشكلة دير السلطان تعود للقرن السابع عشر عندما بالغ العثمانيون بفرض الضرائب على الطوائف المسيحية مما أدى إلى ازدياد حالات الفقر، وهذا جعل الأثيوبيون يطردون من أملاكهم ويلجئون إلى الأقباط الذين استضافوهم في “دير السلطان”، وقد ظلت الأمور بينهم هادئة حتى عام 1820م وهو العام الذي قرر فيه الأقباط إخلاء الدير من الأحباش لترميمه، وفور الانتهاء من أعمال الترميم تم إعادة الأحباش إليه مرة أخرى، إلا أن هذا التصرف جعل الأحباش يتوجسون من الأقباط ويخشون طردهم مرة أخرى، ومن هنا سادت مشاعر من الغضب والكراهية فيما بينهم، فقاموا بسرقة مفاتيح الدير بناء على توجيهات الإنجليز، إلا أن الأقباط استعادوها مرة أخرى بناء على قرار حاكم القدس، وبعد هذا سادت فترة من الهدنة بين الأحباش والأقباط في حبرية البابا “كيرلس” الرابع ولكن بعد إزاحته عادت أعمال الشغب بينهم مرة أخرى.
وفي كنيسة القيامة دير للرهبان الفرنسيين الذين يخدمون في الكنيسة، وهم ينتسبون إلى القديس فرنسيس الأسيزي الذي جاء إلى القدس سنة ألف ومائتين وتسع عشرة، ووافق البابا اكلمنطس السادس ببراءة بابوية سنة ألف وثلاثمائة واثنين وأربعين على وجود الفرنسيين في الكنيسة على أن يكونوا حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الكاثوليكي وقد قاموا بترميم الكنيسة مرتين أخراهما سنة ألف وسبعمائة وتسع عشرة، وأقاموا فيها بناء جديدا سنة ألف وتسعمائة وسبع وستين.
إلى جانب هذا الدير الكاثوليكي، هناك الأديار الأرثوذكسية وأولها دير الروم الأرثوذكس، أسس بطريك القدس اليوناني جرمانوس أخوية القبر المقدس، بعد الاحتلال العثماني لفلسطين ويعد أعضاء هذه الأخوية حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الأرثوذكسي.
ويقوم على خدمة الكنيسة واقامة الصلوات فيها رعايا ثلاث من الطوائف الرئيسة في القدس، وهي الطائفة الارثوذكسية، والطائفة الكاثوليكية، والطائفة الأرمنية الارثوذكسية، اما مفاتيح كنيسة القيامة فتتوارثها اسرتان مقدسيتان مسلمتان هما اسرة نسيبة واسرة جودة، وذلك منذ الفتح العمري للمدينة، وهذا يعبر عن طبيعة التسامح الاسلامي – المسيحي في المدينة.
الستاتيكو قانون عثماني يحافظ على حقوق الطوائف…
في 2\8\1852م، اصدرت الدولة العثمانية التي كانت تحكم القدس والبلاد العربية، ما يسمى قانون الوضع الراهن (الستاتيكو)، وهو يقوم على تثبيت حقوق كل طائفة وجماعة دينية كانت موجودة في القدس، دون السماح بإحداث تغيير فيما كان عليه الوضع منذ ذلك التاريخ.
وهذا حفظ حقوق الطوائف والجماعات الدينية من مختلف الاديان، وعلى رأس ذلك الحقوق الطائفية في كنيسة القيامة، وما زال هذا القانون معمولا به الى حد كبير حتى اليوم.
– يوجد في كنيسة القيامة ديرا للرهبان الفرنسيسكان (اللاتين) الذين يخدمون في الكنيسة، ويقع الدير شمالا حيث كانت قديما الدار البطريركية، وكان الرهبان حتى سنة 1870م يعيشون في دير مظلم، فتوصل فرنسيس يوسف الأول امبراطور النمسا إلى الحصول على اذن لهم ببناء دير صغير، أضيفت إليه طبقة جديدة سنة 1967م. وينتسب الرهبان الفرنسيسكان الى القديس فرنسيس الأسيزي (1182-1226م)، الذي أنشأ وعاش في أمبريا من أعمال ايطاليا، وكان قد جاء الى القدس سنة 1219م، وبعث الى هناك ببعض رهبانه، وطلب من السلطان الملك الكامل الايوبي ان يبقوا في الشرق ويزوروا القيامة، فظلوا بعد سقوط مملكة القدس اللاتينية يحرسون الاماكن المقدسة، وفي سنة 1333م سمح لهم السلطان الملك الناصر بسكنى كنيسة القيامة، وفي عام 1342م وافق البابا اكليمنطس السادس، ببراءة بابوية على وجود الفرنسيسيين على ان يكونوا حراس الاراضي المقدسة باسم العالم الكاثوليكي.
– والكنيسة تحوي الدير الكاثوليكي الوحيد، وهناك إلى جانبه الأديار الأرثوذكسية، وأولها دير الروك الارثوذكس، وبعد فتح الأتراك للقسطنطينية (1453م) أخذ الإكليروس البيزنطي يتردد إلى الأراضي المقدسة، وبعد امتداد السيطرة العثمانية على القدس سنة (1516م) بقليل عين على القدس بطريرك يوناني يدعى (جرمانوس 1534-1579م)، وهو الذي أسس (أخوية القبر المقدس) التي يعد أعضاؤها حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الأرثوذكسي.
– ويوجد شرق ساحة القيامة دير القديس ابراهيم الذي اشتروه سنة 1660م من الأحباش، وعثروا تحته سنة 1690م على كنيسة قديمة تعرف بكنيسة الرسل.
– وبعد الروم الارثوذكس يأتي الأرمن الارثوذكس، ولهم بعض المساكن في كنيسة القيامة، ولكن ديرهم الرسمي يقع في حارة الأرمن حول كنيسة القديس يعقوب الكبير، وهو بناء صليبي يرتقي الى القرن الثاني عشر الميلادي، وقد بني نصف ذلك الدير في القرن السابع عشر الميلادي.
– وللأرمن الحصة الثالثة في كنيسة القيامة، ومنها قسم الرواق الذي يشرف على القبر المقدس وكنيسة القديسة هيلانة.
– أما الأقباط فلهم ديرهم وكنيستهم الكبرى المعروفان بكنيسة ودير القديس انطونيوس، حيث يقومان خارج كنيسة القيامة، ولهم معبد صغير ملاصق للقبر المقدس بنوه سنة 1808م وفيه يصلون.
– أما الأحباش فيقومون في دير السلطان المجاور على سطح كنيسة القديسة هيلانة.
– والسريان الأرثوذكس يقيمون الصلاة كل أحد في معبد للأرمن يقوم في حنية القبر المقدس يدعى بدير القديس مرقس.
المسلمون حراس القيامة…
والمسلمون لم يكونوا بمنأى أو بمعزل عن كنيسة القيامة، حيث تولى المسلمون حراسة ابواب الكنيسة، ومسؤولية مفاتيحها، وهناك عائلتان مقدسيتان تقومان بهذه المهمة التاريخية، هما: آل جودة، وآل نسيبة. وقد اختلف المؤرخون في تحديد البداية التاريخية لهذه المسؤولية، فهناك قول يؤيد آل نسيبة يرى ان هذه الوظيفة بدأت منذ فتح عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) للقدس سنة 636م، وأن أول من تسلم مفاتيح الكنيسة كان هو جدهم عبد الله بن امرأة من الخزرج تدعى (نسيبة)، وكان لها ولدان، حامد وعبد الله، حيث يرى هؤلاء ان صفرونيوس بطريرك القدس سلم مفاتيح القيامة لعمر بن الخطاب، الذي قام بدوره بدفع المفاتيح الى عبد الله بن نسيبة، لزهده وأمانته، ومنذ ذلك الحين وهم يتوارثون هذه المهمة ، …ويقول الاستاذ عمر الصالح البرغوثي : “ان ال نسيبة ظلوا امناء على ابواب الكنيسة منذ الفتح العمري حتى الفتح الصليبي، وعند مجيء الصليبيين رحلوا عن القدس مع من رحل عنها من المسلمين والمسيحيين الشرقيين الارثوذكس، فنزلوا قرية بورين من اعمال نابلس وسكنوا فيها، ولم يعد ال نسيبة الى القدس بعد الفتح الصلاحي مباشرة فامر السلطان صلاح الدين ان تسلم المفاتيح الى ال غضيه وهم اجداد ال جودة، ولما عاد ال نسيبة من بورين طالبوا بحقهم، فعز على القاضي ان آنذاك ان ينقض حكما مضى عليه ردحا من الزمن، فأمر ان تبقى المفاتيح بيد ال غيضة، على ان يتولى ال نسيبة فتح الابواب … وهناك قول آخر يؤيده آل جودة، يرى أنهم أمناء مفاتيح القيامة منذ عهد صلاح الدين الأيوبي (1187م)، وأن آل نسيبة يقومون بمهمة الفتح منذ ذلك العهد أيضا، وهناك رأي آخر يعتقد أن هذه المهمة مناطة بهذه الأسر المسلمة منذ عهد المماليك.
ومهما يكن الأمر فإن مفاتيح كنيسة القيامة هي منذ قرون طويلة من الزمن في عهدة المسلمين المقدسيين، وهم الذين يتولون الإشراف عليها، حيث تقوم أسرة آل جودة بالاحتفاظ بالمفاتيح، في حين تقوم أسرة آل نسيبة بمهمة فتح الكنيسة في مواعيدها المقررة، وتعتبر هذه التجربة التاريخية نموذجا على التعاون والتسامح بين المسلمين والمسيحيين في القدس.
وعلى مقعد خشبي عند مدخل الكنيسة وبالقرب من الباب الخشبي الكبير يجلس وجيه نسيبة مقابل درجات الجلجلة ويقول: “أقوم بفتح باب الكنيسة كل صباح في الخامسة وأغلقه في تمام التاسعة مساء، تخيل بأنني أقوم بهذا التقليد منذ ما ينيف عن ثلاثين عاما”. ويعود بنا وجيه نسيبة الى الوراء والى الأحداث التاريخية التي يحفظها عن ظهر قلب فيقول: “مع بداية الحروب الصليبية عام 1099 هاجرت عائلة نسيبة الى نابلس “منطقة بورين” وتم الاستيلاء على المفاتيح من قبل الغزاة الصليبيين، الا أنها عادت الى عائلة نسيبة وتحديدا لفخر الدين بن علاء الدين عندما فتح صلاح الدين الايوبي القدس”.
أدى صدور مرسوم عثماني الى تقاسم عائلة نسيبة وجودة حمل المفاتيح حيث يقول وجيه نسيبة عن ذلك: “في الفترة التركية اعطيت المفاتيح الى عائلة “غضي جودة”، كما اعطيت لهم الصدقات السلطانية، لكنهم لم يمارسوا الوظيفة مدة عشر سنوات، حتى صدور مرسوم ملكي لتتوارث العائلتين المهنة والمحافظة على مفاتيح الكنيسة وفتحها واغلاقها وحراستها، وأحتفظ في بيتي بالعديد من الفرمانات الأصلية التي تشهد على حقنا بالاحتفاظ بمفاتيح كنيسة القيامة”.
ويذكر وجيه نسيبة أن التعايش الاسلامي المسيحي ضد محاولات الاحتلال الاسرائيلي محاولة فتح بوابات اخرى وانتزاع السلطة بطرق عديدة، ويضيف: “نحن حريصون على حراسة الكنيسة والحفاظ عليها، ونعتز بذلك فتاريخ العرب والمسلمين مليء بصور الاخاء واحترام الديانات، وهو ما يجعل المسلمين يحتفظون بمفتاح الكنيسة وتولي أمانته”.
وتجمع الطوائف المسيحية على ابقاء هذه المهمة للعائلتين المسلمتين اذ يتم اعادة تسليم المفتاح لهما ثلاث مرات في السنة تتزامن عند الطائفة اللاتينية بـ “خميس الغسل” وعند طائفة الروم بـ”الجمعة الحزينة” والطائفة الارمنية بـ”سبت النور”.
الاعتداءات الإسرائيلية على كنيسة القيامة…
قام الاسرائيليون بالسطو على كنيسة القيامة ليلا، وسرقة المجوهرات الموضوعة على تمثال العذراء الكائن في مكان الجلجلة داخل الكنيسة عام 1968م، وفي عام 1969م قام الاسرائيليون بالسطو على كنيسة القيامة، وسرقة التاج المرصع بالأحجار الكريمة الموضوع على رأس تمثال العذراء مريم في كنيسة الجلجلة، وكما قامت سلطات الاحتلال الاسرائيلي بمحاولة حرق كنيسة القيامة عندما دخل شخص اسرائيلي وأخذ يحطم القناديل الأثرية على القبر المقدس عام 1971م، ومن الاعتداءات المستمرة ما تمارسه قوات الاحتلال يوم سبت النور وهو من اقدس الايام لدى المسيحيين حيث تقوم بتطويق الطرق المؤدية الى الكنيسة بالحواجز، وتمنع المصلين من التوجه الى الكنيسة للمشاركة بالاحتفال الديني الكبير (سبت النور) حيث يتم اذلال المؤمنين.
مراحل وعصور، أمم وجيوش مختلفة، حطت رحالها في ساحات القيامة وعلى أبواب كنائسها، لتخط بنور شموعها، وتهليل المبتهلين من مؤمنيها تاريخ عريق ودين سماوي سمح، لا زالت أجراس القيامة تقرع صداها يوميا.
درب الآلام
كيلو متر واحد من المساحة زخر بقدسية وتاريخ كبيرين، درب بين أزقة القدس القديمة عبقت بقدسية مدينة الديانات، وسار بها الاف من الزوار والحجاج على درب المسيح عليه السلام، مبتهلين ومتضرعين بالدعاء، لتنقش على الحجارة صلواتهم وفي تاريخ القدس آمالهم وأدعيتهم.
طريق الآلام هو طريق لا يتعدى طوله كيلومتر واحد، وبحسب المعتقد المسيحي هي الطريق التي سلكها السيد المسيح- عليه السلام – من المحكمة إلى جبل الجلجلة حيث تم صلبه، وقد سميت بهذا الاسم نسبةً للآلام التي عاناها المسيح في الطريق. وتبدأ من باب الاسباط وتنتهي في كنيسة القيامة، وتحوي الطريق 14 مرحلة 9 منها في الطريق نفسه، وآخر 5 مراحل داخل كنيسة القيامة، وهو طريق مليء بالكنائس والمزارات.
تبدأ مراحل درب الآلام المعروفة أيضا بدرب الصليب أو طريق الجلجلة، من حارة باب حطة حيث تقع المدرسة العمرية المعروفة تاريخيا باسم المدرسة الجاولية، وتنتهي في داخل القبر المقدس بكنيسة القيامة، وتنقسم المراحل إلى قسمين: القسم الأول خارج كنيسة القيامة ويتألف من تسع مراحل، في حين أن المراحل الخمسة المتبقية تقع داخل الكنيسة نفسها.
تعتبر طريق الالام مقدسة في نظر المسيحيين في العالم، لأنهم يعتقدون أن هذه الطريق هي التي سلكها السيد المسيح – عليه السلام – والصليب مربوط على ظهره إلى أن بلغ المكان المعد لصلبه وسط جنود الرومان اللذين كانوا يقتادونه.
وترجع الجذور التاريخية لطقوس درب الآلام وفقا لبعض المؤرخين إلى الفترة الفرنجية التي بدأت بعد احتلال القدس في سنة 1099م، في حين أن مصادر سجلات المحاكم الشرعية في القدس لم تعرج على ذكر طريق الألآم في أي من وثائقها، واكتفت بالإشارة إلى عقبة الظاهرية والتي تعرف اليوم باسم عقبة الآلام أو عقبة المفتي أو المراحل.
والظاهرية هي زاوية من العصر المملوكي ما زالت قائمة في منتصف هذه العقبة، وقد عادت تسمية الطريق من جديد بدرب الآلام من خلال مشاهدات وكتابات المستشرقين الأوروبيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.
وتشهد مدينة القدس بعد ظهر كل يوم جمعة من أيام الصوم عند النصارى طقوسا يشارك بها سكان المدينة وزوارها والحجاج النصارى القادمين من الخارج، حيث تنظم حراسة الأراضي المقدسة للآباء الفرنسيسكان مسيرات على درب الآلام يحمل خلالها المشاركون صلبانا خشبية كبيرة تيمنا بالسيد المسيح عليه السلام.
مراحل الالام:
المرحلة الأولى:
تبدأ من مقر الوالي تيطس الذي أصدر منه حكم الصلب على السيد المسيح، ويعتقد معظم المؤرخين أن هذا المقر كان يوجد في مكان ما في البقعة التي تقوم عليها الآن مدرسة الروضة ومدرسة راهبات صهيون وما بينهما، وأنه هناك تتم تتويج السيد المسيح بإكليل من الشوك.
المرحلة الثانية:
ويعتقد النصارى أن الجند قاموا بتحميل الصليب إلى السيد المسيح، وأنه في هذا المكان قام الوالي بمخاطبة اليهود المجتمعين قائلا لهم Ecce Homo أي هذا هو الرجل، لهذا فقد أقيم في هذا المكان قوس يسميه المسيحيون بهذا الاصطلاح Ecce Homo، وهو جزء من العمارة التي تملكها راهبات صهيون.
المرحلة الثالثة:
وهي تقع عند الزاوية القائمة عند مفترق الطريقين، طريق الآلام والطريق التي تصل بين الواد وباب العمود، حيث يقوم دير الأرمن الكاثوليك، وهنا يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح – عليه السلام- وقع مغشيا عليه.
المرحلة الرابعة:
وهي على بعد أمتار من المرحلة التي سبقتها، ويعتقد المسيحيون أنه في هذه المرحلة التقى السيد المسيح – عليه السلام – مع أمه مريم البتول.
المرحلة الخامسة:
تقع عند الزاوية الكائنة عند ملتقى طريق الواد بأول العقبة المعروفة بعقبة المفتي، ويعتقد المسيحيون أن في هذه المرحلة شعر السيد المسيح بثقل الصليب وكاد يسقط على الأرض، فقام سمعان القيرواني وساعده في حمله.
المرحلة السادسة:
وفيها قامت المرأة “فيرونيكا” بمسح عرق السيد المسيح، وفي هذا المكان يوجد منزل القديسة فيرونيكا وقبرها.
المرحلة السابعة:
وتقع عند ملتقى درب الآلام بالطريق التي تربط باب خان الزيت بباب العمود، ويعتقد أنه في هذه المرحلة خرج السيد المسيح من المدينة، وسقط مغشيا عليه للمرة الثانية.
المرحلة الثامنة:
وتقع في عقبة الخانقاه عند الدير المعروف بدير مار لامبوس للروم الأرثوذكس، وهنا يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح خاطب المرأة التي كانت تسير من خلفه باكية: “لا تبكي علي بل ابك على بلدكن – القدس – التي ستؤول إلى خراب”.
المرحلة التاسعة:
تقع عند دير الأقباط إلى الشرق من كنيسة القيامة، حيث رزح المسيح تحت الصليب من شدة التعب.
المرحلة العاشرة:
وهي داخل كنيسة القيامة نفسها وتتضمن تعرية المسيح.
المرحلة الحادية عشر:
وتم فيها وضع المسامير في يدي السيد المسيح على الصليب.
المرحلة الثانية عشر:
وتشمل موت السيد المسيج على الصليب.
المرحلة الثالثة عشر:
وهي إنزال السيد المسيح عن الصليب، ويرمز إليها بالمغتسل أو حجر التحنيط في كنيسة القيامة، وهناك يقف المؤمنون ويحاولون تلمس الحجر.
المرحلة الرابعة عشر:
وتشمل دفن السيد المسيح وقيامته، ويرمز لها بالقبر المقدس.
وتمثل المشاركة في هذه الدرب معنى اجتماعي ـــــ ديني عميق. فهو رفض للزمن وإعادة إحياء لواقعة حدثت قبل ألفي عام، إيماناً بأن هذا هو الدرب الذي سلكه المسيح، فمثّل إلهاماً لأعداد لا تحصى من البشرية طوال قرون، إذ يأخذ طابعاً خاصاً في عيد الفصح، فيسيرون فيه فرادى أو مجموعات قبل عيد الفصح وبعده. ومثل باقي أزقة بلدة القدس القديمة وشوارعها، فعلى طول هذا الدرب وضعت سلطات الاحتلال كاميرات مراقبة، تنقل كل ما يحدث إلى غرفة عمليات يديره احتلال جاثم على قلب المدينة المقدسة.

شاهد أيضاً

شرقي الأردن وفلسطين أمانة في أعناقكم يا مشايخ لواء عجلون

  مؤتمر (قم) منطقة غرب اربد..اسعد العزام صحيفة المنتصف في عام 1920 كثر بيع الأراضي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *