أخبار المنتصف
أخبار عاجلة
مقالاتالأردن

الأردن في معضلة بين كبح الهلال الشيعي والتخوف من الغد… بقلم د. أوفير وينتر

الأردن في معضلة: بين كبح “الهلال الشيعي” والتخوف من الغد

أوفير وينتر- المنتصف
أوفير وينتر- المنتصف

صحيفة المنتصف

بقلم: د. أوفير وينتر
كان الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، أول من صاغ مصطلح “الهلال الشيعي” في عام 2004 للتحذير من تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وعلى مر السنين، شجع رؤساء الولايات المتحدة على رؤية إيران كعدو بسبب أنشطتها التخريبية ودعمها للإرهاب. كما كان موقفه من الاتفاق النووي لعام 2015 متحفظاً، رغم تجنبه الانتقاد العلني للرئيس أوباما.
ومع اندلاع عملية “زئير الأسد”، وجد الأردن نفسه في خط النار الإيراني، حيث أفادت جهات أمنية محلية في 3 مارس عن سقوط أكثر من 150 جسماً أو شظايا اعتراض في المملكة، ووقوع أضرار في الممتلكات. وبينما تم في جولات قتالية سابقة اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية فوق الأردن وهي في طريقها إلى إسرائيل، فإن بعض الهجمات هذه المرة وجهت مباشرة نحو أراضي المملكة، ونُفذت بتورط ميليشيات موالية لإيران تعمل من العراق. ومن بين الأهداف التي تعرضت للهجوم قاعدتا الرويشد وموفق السلطي الجويتان في شمال البلاد، حيث تتمركز طائرات تابعة للجيش الأمريكي بموجب اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة عام 2021 بين البلدين.
كما أبلغ الأردن عن إحباط هجوم سيبراني إيراني استهدف الإضرار باحتياطيات القمح الاستراتيجية للمملكة من خلال التلاعب بدرجات حرارة التخزين. وتناولت وسائل الإعلام الأردنية الحادث بجدية بالغة، واصفة إياه بأنه “محاولة لزعزعة الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي للدولة”.
ورغم خطوات طهران العدائية، ظل موقف عمان يتسم بالتردد.: فقد أدانت الهجمات الإيرانية ضدها وضد دول الخليج العربية وأعربت عن احتجاجها لدى القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية بعمان؛ وفي الوقت نفسه، حرصت على الإشارة إلى أنها ليست طرفاً في الصراع وامتنعت عن الدعوة إلى إسقاط النظام الإيراني. وفي المحادثات التي أجراها الملك عبد الله مع قادة العالم، وعلى رأسهم الرئيس ترامب، شدد على ضرورة الحوار والدبلوماسية بهدف وقف التصعيد وحل الأزمة وتحقيق التهدئة.
تقف عدة اعتبارات وراء موقف الأردن المتزن تجاه إيران:
أولاً، الرأي العام الداخلي. يواجه النظام منذ بداية العملية حملة تشويه على وسائل التواصل الاجتماعي تتهمه بالتعاون مع “العدو الإسرائيلي-الأمريكي”، ورداً على ذلك يحرص على التأكيد بأن اعتراض الصواريخ الإيرانية يهدف إلى حماية سيادة المملكة وأمن مواطنيها وليس لخدمة مصالح أجنبية. يساعد هذا الموقف النظام على التماهي مع توجهات الرأي العام: فوفقاً لاستطلاع رأي أجري في سبتمبر الماضي، يرى 76.2% من الأردنيين أن إسرائيل هي التهديد الرئيسي للأردن، بينما يرى 9% فقط أن إيران هي التهديد. وتوضح هذه الفجوة الاختلافات بين تصور القصر للتهديدات وتصور “الشارع”، وصعوبة الجسر بينهما.
ثانياً، أضرار الحرب. يخشى الأردن من الهجمات الإيرانية المباشرة ومن حرب طويلة الأمد تزعزع الاستقرار الإقليمي والعالمي. وكلما طال أمد المعركة، زادت المخاطر بوقوع ضرر عميق ومستمر للاقتصاد الأردني: فتعطل تدفق الغاز الطبيعي من إسرائيل – المسؤول عن معظم الكهرباء المنتجة في الأردن – سيتطلب إيجاد بدائل أكثر تكلفة؛ وارتفاع أسعار النفط والوقود سيعمق التضخم والفقر؛ كما أن تضرر السياحة، التي بدأت مؤخراً فقط بالتعافي من آثار الحرب في غزة، سيلحق ضرراً بالغاً بمصدر رئيسي للتوظيف وبالدخل من العملة الصعبة.
ثالثاً، الشكوك المحيطة بإمكانية تغيير النظام. يسود الأردن شكوك بشأن قدرة الحرب على تحقيق هدفها الرئيسي – خلق الظروف اللازمة لتغيير النظام في إيران. ويرى محللون أردنيون أن المؤسسة السياسية في إيران مصممة على القتال من أجل بقاء سلطتها، وهي تمتلك قاعدة دعم أيديولوجية ودينية متماسكة وموالية، في حين أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تقدما بعد خطة عمل فعالة تتجاوز تحريض الشعب الإيراني على التمرد. وفي ظل هذه الظروف، فإن وقوف الأردن بشكل صريح ضد إيران قد يتبين أنه مقامرة خطيرة. علاوة على ذلك، حتى في سيناريو إسقاط النظام، لا يرى الأردن بعد أفقاً لنظام جديد وآمن في إيران، بل احتمال الانزلاق نحو الفوضى، الحرب الأهلية وصراعات النفوذ.
أخيراً، يرتبط الموقف الأردني أيضاً بالخوف من الهيمنة الإسرائيلية. فبالرغم من نفوره الأساسي من إيران والتزامه بالتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والسلام مع إسرائيل، ينظر الأردن بقلق أيضاً نحو الغرب. ففي نظر الكثير من الأردنيين، قد تقوم إسرائيل المنتصرة والمتغطرسة وغير المقيدة بإعادة تشكيل الشرق الأوسط دون مراعاة لجارتها الشرقية. وتعتبر الأجندات التي يتم الترويج لها في إسرائيل – ومن بينها الضم في الضفة الغربية، وتشجيع الهجرة الفلسطينية، وتآكل الوضع القائم في القدس – تهديداً خطيراً بل وجودياً للمملكة. ولذلك، يُنظر إلى الانتصار الإسرائيلي على إيران باعتباره استبدال خطر بآخر، وليس كمقدمة للهدوء المنشود.
ومع ذلك، فإن واقع الحرب ديناميكي: فالعدوان الإيراني تجاه الأردن يحفز المملكة على إعادة النظر في موقفها المحايد. بالإضافة إلى ذلك، إذا تبين أن النظام في طهران قد تزعزع حتى الجذور وأن هناك إمكانية واقعية لاستبداله دون الانزلاق إلى فوضى إقليمية، فقد يتغير الحساب الأردني أيضاً. فبعد مرور عقدين على صياغته لمصطلح “الهلال الشيعي”، يقف الملك عبد الله أمام سؤال جديد: ليس كيف يمكن كبح تمدده؟… بل أي نظام إقليمي سيقوم مقامه؟…، وهل سيكون أكثر استقراراً وأمناً لمملكته؟..

د. أوفير وينتر  باحث  في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، جامعة تل أبيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى