نصوح المجالي ” مهندس الإعلام الأردني وصوت الدولة العميق”… بقلم عماد الشبار
إعلاميون أردنيون (51)
ذاكرة الميكروفون والكاميرا: سلسلة يومية عن إعلاميي الإذاعة والتلفزيون الأردني
بقلم م. عماد الشبار

صحيفة المنتصف
نصوح المجالي: مهندس الإعلام الأردني وصوت الدولة العميق

في تاريخ الإعلام الأردني الحديث، قلّما يجتمع الحزم الإداري مع الرؤية الثقافية، والقيادة المؤسسية مع الحضور الإنساني. وقد كان معالي نصوح سالم سليمان المجالي، المعروف بلقب “أبو ذاكر”، نموذجًا نادرًا لذلك الإعلامي الذي لم يكتفِ بأن يكون صوتًا خلف المايكروفون، بل اختار أن يكون مهندسًا لبنية الإعلام الأردني، وواضعًا لأسسه المهنية، وموجهًا لمساره الوطني.
وُلد نصوح المجالي في محافظة الكرك عام 1940، وسط بيئة عسكرية محافظة. تلقى تعليمه الجامعي في الجامعة اللبنانية، وحصل على درجة الليسانس في اللغة الإنجليزية وآدابها عام 1964. ومنذ سنوات شبابه، أظهر شغفًا خاصًا بالثقافة العامة واللغة، ما أهّله لاحقًا للانخراط في مجالات الإعلام والإدارة الثقافية.
بعد تخرّجه، عمل لفترة قصيرة في المخابرات العامة الأردنية، ثم التحق بالعمل في المجال التربوي، قبل أن يبدأ رحلته الطويلة مع الإعلام الرسمي، التي استمرت لعقود وغيّرت وجه المشهد الإعلامي الأردني.
في العام 1973، عُيّن نصوح المجالي مديرًا عامًا لوكالة الأنباء الأردنية “بترا”، حيث بدأ أولى خطواته الإدارية في الحقل الإعلامي. وقد شهدت الوكالة في عهده تطورًا ملحوظًا في الأداء التحريري، والانفتاح على الخبر المحلي والعربي برؤية أكثر توازنًا واحترافية. أرسى معايير مهنية رفيعة في التعامل مع المصادر وتحرير الأخبار، وأولى اهتمامًا خاصًا ببناء كوادر تحريرية قادرة على المنافسة.
في العام 1976، تولّى المجالي منصب مدير عام الإذاعة الأردنية، حيث لعب دورًا محوريًا في تحويل الإذاعة من مجرد وسيلة بث حكومية إلى مؤسسة إعلامية رائدة ذات رسالة وطنية ومهنية.
عمل على تطوير البنية التنظيمية للإذاعة حيث أرسى نظامًا إداريًا واضحًا، وفصل بين التحرير، الإنتاج، والإدارة. أنشأ أقسامًا جديدة مثل قسم التخطيط البرامجي، والتوثيق، والتدريب، مما ساعد على تنظيم العمل الإذاعي بصورة أكثر احترافية.
أطلق شبكة برامج يومية وأسبوعية متنوعة المحتوى (سياسي، ثقافي، ديني، رياضي، وترفيهي)، وأدخل برامج تفاعلية مباشرة مع الجمهور مثل “البث المباشر” و”أخي المواطن”، التي فتحت باب النقاش بين المواطن والمسؤول.
كما شيد مبنى الإذاعة الجديد ليكون بيئة تقنية ومهنية تليق بطموحات تطوير العمل الإذاعي، ولبنة أساسية نحو استقلالية البث وتعددية المحتوى.
وأطلق خلال فترة إدارته إذاعة القرآن الكريم، لتكون أول إذاعة متخصصة في المجال الديني في الأردن، ما شكّل نقلة نوعية في مفهوم الإذاعات المتخصصة، وجعل الأردن من الدول السبّاقة عربيًا في هذا المجال.
ركز على البرامج ذات الطابع الوطني والهاشمي، مثل برامج عن الثورة العربية الكبرى، تاريخ الأردن، والشخصيات الوطنية، ليجعل الإذاعة لسان حال الهوية الأردنية الجامعة.
أنشأ وحدة تدريب داخلية لتأهيل المذيعين والفنيين، وأرسل العديد منهم لبعثات تدريبية داخل وخارج الأردن (خاصة في ألمانيا). كان يتابع أداء المذيعين بنفسه ويقدم ملاحظات تحريرية وصوتية، بل ويسجل نماذج أداء بصوته كمثال يحتذى به.
أقر قواعد لتحرير الأخبار وضبط اللغة، وفرض الالتزام بالنحو السليم والأداء الصوتي. طبق نظام مراجعة ثلاثية لكل نص (كاتب، مدقق، مشرف) لضمان الدقة والمهنية.
فتح الإذاعة أمام الدراما الأردنية وساهم في إنتاج مسلسلات ذات طابع اجتماعي وثقافي، أبرزها أعمال محمود سيف الدين الإيراني وسامي حداد. كما دعم الأصوات الأردنية الشابة في الشعر والمسرح الغنائي.
عزز العلاقات مع اتحاد إذاعات الدول العربية، وساهم في تنظيم دورات تدريبية واستضافة مؤتمرات إذاعية. أبرم اتفاقيات تبادل إذاعي مع دول عربية (لبنان، العراق، مصر، تونس)، مما جعل الإذاعة الأردنية حاضرة على الساحة العربية.
أصر على أن ترافق الإذاعة كل المناسبات الوطنية والشعبية (الأعياد، الاستقلال، يوم الجيش، افتتاح البرلمان)، واستحدث نقلًا حيًا من المحافظات والقرى لتعزيز الحس الوطني والانتماء الشعبي.
كما أولى نصوح المجالي اهتمامًا كبيرًا بتطوير قسم الرصد الإخباري في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وهو القسم المسؤول عن متابعة وتحليل ما يُبث في الإذاعات العربية والأجنبية حول الشأن الأردني. عمل على تعزيز قدراته الفنية والبشرية، وأرسى آلية إصدار تقرير يومي يُوزع على كبار المسؤولين في الدولة، يتضمن ما يُقال عن الأردن من مديح أو نقد أو إشارات سياسية واقتصادية، ما جعله أداة مبكرة لصناعة القرار الإعلامي والسياسي، ومصدرًا مهمًا لتقدير الموقف والتفاعل السريع مع القضايا الخارجية.
في عام 1985، أصبح نصوح المجالي أول من يترأس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بعد دمج المؤسستين، وهو قرار اعتبر نقطة تحوّل استراتيجية في الإعلام الأردني. لم يكن مجرد إداري، بل صاحب رؤية إعلامية متكاملة شملت الهيكل، والمحتوى، والرسالة، والكوادر، وابتكر أسسًا حديثة في البرمجة والتنسيق والتدريب.
أشرف على مشاريع إعلامية واسعة النطاق، من بينها برامج توثيقية وطنية مثل “الأردن وعد وإنجاز”، وتغطيات شاملة للمناسبات الرسمية والملكية، مع تطوير النشرات الإخبارية لتصبح أكثر مهنية وتنظيمًا.
في العام 1989، عُيّن نصوح المجالي وزيرًا للثقافة والإعلام في حكومة زيد بن شاكر، في فترة حساسة من تاريخ الأردن، تزامنت مع التحولات الديمقراطية وإجراء أول انتخابات برلمانية منذ عقود.
خلال توليه منصب وزير الثقافة والإعلام عام 1989، في مرحلة التحول السياسي والديمقراطي في الأردن، عمل نصوح المجالي على فتح مساحات إعلامية للنقاش العام والنقد البنّاء، وسعى لإعادة هيكلة الخطاب الإعلامي الرسمي ليواكب المستجدات السياسية ويعبّر عن تطلعات الناس، محافظًا في الوقت ذاته على هيبة الإعلام الرسمي دون أن يفقد صلته بالمجتمع. كان يؤمن بأن الإعلام القوي لا يُقاس بولائه للدولة فقط، بل بقدرته على كشف مكامن القصور ونقل صوت المواطن بجرأة ومسؤولية.
رغم انشغاله بالمهمات الإدارية، احتفظ نصوح المجالي بشغفه بالثقافة والأدب. كتب قصائد نثرية، وشارك في تأريخ مدينة عمان ضمن موسوعة “عمان أيام زمان”، وأهدى نسخة من عمله للمؤرخ عمر العرموطي، مؤكدًا عشقه العميق للعاصمة.
كما كان قارئًا نهمًا وشريكًا في الحوارات الفكرية مع الإعلاميين والشعراء والروائيين، مما جعله جسرًا بين الإعلام والثقافة.
يرى كثير من الإعلاميين الأردنيين أن نصوح المجالي هو الوالد المؤسس للإعلام الأردني الحديث، فقد وضع النظام، سنّ المعايير، خرّج الأجيال، ودافع عن استقلالية المؤسسة. كان يكرّس كل طاقته للحفاظ على المهنية والانضباط والرسالة الوطنية.
ظل يُذكر في أروقة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون حتى بعد تقاعده، بوصفه الرجل الذي:
“كان إذا دخل مبنى الإذاعة صمت الجميع احترامًا.”
“يعرف أسماء الموظفين الصغار كما يعرف أسماء المذيعين الكبار.”
“لم يسمح بتسييس المؤسسة، ولا بتجييرها لحساب أي طرف.”
رحل عن المشهد الرسمي، لكنه لم يغب عن ذاكرة الإعلام الأردني، فلا يكاد يُذكر اسم إعلامي أردني بارز في العقود الأخيرة إلا وله علاقة بمنهجه، أو تأثير مباشر من مدرسة نصوح المجالي.
كان أكثر من إداري، وأكثر من مذيع، وأكثر من وزير؛ كان عقلًا إعلاميًا استثنائيًا، وضميرًا مؤسساتيًا، وصوتًا وطنيًا ظل أمينًا للميكروفون ومخلصًا للأردن حتى آخر لحظة.




