الأمن الفكري وصناعة الخطاب الديني… بقلم د. محمد علي الحسيني

صحيفة المنتصف
يُعدّ الأمن الفكري من أهم ركائز استقرار المجتمعات وحماية الأوطان، وهو منظومة متكاملة تهدف إلى صون العقول من الانحراف والتطرف، وتعزيز ثقافة الاعتدال والانتماء والمسؤولية الوطنية. وينطلق الأمن الفكري في جوهره من خطاب ديني وسطي معتدل ومتسامح، قائم على الحكمة والموعظة الحسنة، بعيدًا عن الغلو والتشدد والإقصاء والكراهية.
وقد أرست الشريعة الإسلامية منهج الاعتدال بوصفه سمةً أصيلة للأمة الإسلامية، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ «البقرة: 143»، كما أمر الله تعالى بالدعوة بالحكمة فقال: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ «النحل: 125». وهذه الآيات تؤسس لخطاب ديني متزن يسهم في بناء الإنسان فكريًا وروحيًا، ويحصنه من دعاوى الغلو والانحراف.
ويمثل الخطاب الديني المعتدل خط الدفاع الأول في حماية الأمن الفكري، لأنه يقدم الفهم الصحيح للدين، القائم على مقاصده الكبرى في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، ويرسخ قيم الرحمة والتسامح والعدل والتعايش بين الناس. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ «الأنبياء: 107»، وقال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ «البقرة: 256».
كما حذر النبي ﷺ من الغلو والتشدد لما لهما من آثار مدمرة على الفرد والمجتمع، فقال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، وقال ﷺ: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». ويؤكد ذلك أن الإسلام دين التوازن والاعتدال، وأن الأمن الفكري لا يتحقق إلا من خلال خطاب ديني يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويقرب ولا ينفر.
ومن هنا تبرز المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق العلماء والدعاة ورجال الدين، بوصفهم أمناء على الكلمة ومنابر التوجيه والإرشاد. فدورهم لا يقتصر على بيان الأحكام الشرعية، بل يمتد إلى تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم المواطنة الصالحة والانتماء الوطني، ومواجهة الأفكار المتشددة والخطابات المتطرفة بالحجة والعلم والحوار.
كما أن المنبر الديني في المساجد والمؤسسات الدينية والتعليمية يمثل أداة استراتيجية في تعزيز الأمن الفكري، من خلال نشر ثقافة التسامح واحترام التنوع الإنساني، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبناء حصانة فكرية لدى الشباب في مواجهة حملات التضليل والاستقطاب التي تستهدف المجتمعات عبر الوسائل التقليدية والرقمية. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبح
تحقيق الأمن الفكري مسؤولية جماعية تتطلب تكامل جهود المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية والثقافية، انطلاقًا من قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ «المائدة: 2». فحين يجتمع الخطاب الديني الوسطي مع التعليم الواعي والإعلام المسؤول، تتشكل منظومة مجتمعية متماسكة قادرة على حماية الإنسان من الانحراف الفكري، وتعزيز السلم الأهلي، وصون أمن الأوطان واستقرارها ومستقبل أجيالها.




