أخبار المنتصف
أخبار عاجلة
مقالاتالأردن

الدفاع الإعلامي عن الأردن… بقلم د.م. أمجد عودة الشباطات

الدفاع الإعلامي عن الأردن

د.م. أمجد الشباطات _ المنتصف
د.م. أمجد الشباطات _ المنتصف

صحيفة المنتصف

د.م. أمجد عودة الشباطات

من وجهة نظري، لم يكن خط الدفاع الإعلامي الأردني خلال الاعتداءات الإيرانية السابقة والأخيرة على الأردن بمستوى الجاهزية العسكرية والأمنية الاستثنائية التي أظهرتها قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية. فقد تعامل الأردن باقتدار مع الاعتداءات التي طالت أرضه وأجواءه، لكنني لم ألمس في المقابل حضورًا إعلاميًا منظمًا ومؤثرًا يوازي حجم ما تعرض له، ويفكك حملات التضليل، ويوصل حقيقة الموقف الأردني إلى الرأي العام في الداخل والخارج.

وهذا لا يعني غياب الجهود، أو إنكار ما صدر من بيانات ومواقف رسمية مقدرة، كما قد تكون هناك بالفعل منهجيات وخطط إعلامية لا تظهر للرأي العام بحكم طبيعتها. لكن الحكم على أي منهجية يكون من خلال أثرها، والأثر الذي ظهر، من وجهة نظري، لم يكن بالمستوى الذي تفرضه طبيعة التهديد.

هذه الملاحظة لا تنطلق من حديث نظري، بل من واقع عاشه الأردنيون خلال الأشهر الماضية، وتجدد في الأيام الأخيرة، عندما تعاملت قواتنا المسلحة مع موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وما جرى كان اعتداءً على الأردن وسيادته وأمنه، ووضع أرضه وأجواءه ومواطنيه أمام خطر حقيقي.

د.م أمجد عودة الشباطات - المنتصف
د.م أمجد عودة الشباطات – المنتصف

وفي مواجهة هذه الاعتداءات، أثبتت قواتنا المسلحة الأردنية الباسلة – الجيش العربي، وسلاح الجو الملكي، والدفاعات الجوية، أعلى درجات الجاهزية والاقتدار. وأنا أفتخر بما قاموا به في الدفاع عن أرض الأردن وأجوائه، كما أعتز بما تقوم به جميع أجهزتنا الأمنية في حماية الوطن وأمنه واستقراره. لقد شعر الأردنيون أن خلفهم رجالًا ومنظومة تعرف واجبها؛ ترصد التهديد، وتستعد له، وتتخذ القرار، ثم تنفذ بدقة وحسم.

لكن الاعتداءات في عصرنا لا تتحرك بالصواريخ والمسيّرات وحدها، بل ترافقها روايات إعلامية وحملات رقمية تحاول تبريرها، أو التقليل من خطورتها، أو إعادة تفسيرها، أو إلقاء اللوم على الدولة التي تدافع عن أرضها وسيادتها. وهنا يصبح الدفاع عن الرواية الوطنية جزءًا من الدفاع عن الوطن، لا مهمة إعلامية ثانوية تأتي بعد انتهاء الحدث.

في هذه النقطة تحديدًا تظهر الفجوة التي أتحدث عنها. كنت أريد أن أشعر بالدفاع الإعلامي والجاهزية الإعلامية كما شعرت بالجاهزية العسكرية والأمنية: رصد مبكر، وتحليل دقيق، ورسالة واضحة، وسرعة في الاستجابة، وتوزيع منظم للأدوار، وحضور مؤثر في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

فلا يكفي أن تصدر المعلومة الصحيحة؛ بل يجب أن تصل في الوقت المناسب، وأن تُقدَّم ضمن سياق واضح، وأن تتحول إلى رسالة يفهمها المواطن، ويتبناها الإعلام، وتصل إلى الرأي العام العربي والدولي. فالصاروخ الذي يُسقطه الدفاع الجوي لا ينبغي أن تعيد الرواية المضللة إطلاقه في وعي الناس بصورة أخرى.

ومن هنا أنتقل إلى المجال الذي أعرفه وأفكر من خلاله؛ وهو إدارة المشاريع ومنهجياتها وأدواتها. فكما لا يُدار مشروع كبير بالارتجال، لا يمكن أن تُدار أزمة إعلامية أو سمعة وطنية بردود الأفعال والاجتهادات المنفردة.

في إدارة المشاريع نرصد المخاطر قبل وقوعها، ونبني السيناريوهات، ونحدد أصحاب العلاقة، ونوزع الأدوار والمسؤوليات، ونضع مؤشرات الأداء، ونقيس النتائج، ثم نراجع التجربة ونتعلم منها. ويمكن نقل هذا المنطق إلى العمل الإعلامي من خلال إعداد أدلة وسيناريوهات للاستجابة الاتصالية للأزمات (Crisis Communication Response Playbooks)، تُبنى مسبقًا، ولا يبدأ التفكير فيها بعد وقوع الأزمة.

وتحدد هذه الأدلة مسبقًا: ما الرسالة؟ ومن يتحدث؟ ولمن؟ ومتى؟ وعبر أي منصة؟ وكيف نواجه الروايات المضللة؟ وكيف نقيس وصول الرسالة وأثرها؟ وما البدائل إذا لم تحقق الاستجابة الأولى هدفها؟

لكن هذه المنهجية لن تحقق أثرها إذا بقيت محصورة داخل جهة واحدة. وحين أتحدث عن خط الدفاع الإعلامي، فإنني لا أقصد الحكومة وحدها، بل منظومة الدولة والمجتمع بمفهومها الواسع: المؤسسات الرسمية، ووسائل الإعلام، والأحزاب، والنقابات المهنية، والجامعات، ومراكز الدراسات، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والنخب الفكرية والثقافية، وصولًا إلى المؤثرين وصنّاع المحتوى.

ففي الأزمات الوطنية، لا يكفي أن يصدر بيان رسمي أو أن تدافع مؤسسة واحدة، بل يجب أن تتكامل الأدوار ضمن سردية واضحة. جهة تقدم المعلومة، وأخرى تحلل، وثالثة تفند الادعاءات، وأصوات تخاطب الرأي العام الخارجي، وصنّاع محتوى يحولون الحقائق إلى رسائل قادرة على الوصول والتأثير؛ ليس بالتلقين أو المبالغة، وإنما بالصدق والمهنية.

وقد رصدت في بعض الدول دفاعًا إعلاميًا عن أوطانها يبدو، من شدة تنسيقه وقوة تأثيره، كأنه مدافع ومسيّرات تتحرك في اتجاه واحد. ولا أقصد بذلك الضجيج أو الدعاية المصطنعة، بل القدرة على حشد الجهد الوطني، وتوحيد الاتجاه، وإيصال الرسالة بوضوح وقوة إلى الداخل والخارج.

وفي الأردن لدينا نماذج تثبت أن القدرة على التأثير موجودة. فقد رأيت خلال مباريات كرة القدم في أميركا نموذجًا لافتًا لدى شباب «غماس بلدي»، وقد أشدت به حينها، وقلت إنني وجدت لديهم «ضراوة» في التسويق للأردن.

كانت ضراوة صادقة، بعيدة عن الشعارات والتصنع؛ قدّموا الأردن بروح أردنية عفوية، وسوّقوا له بالصدق، وبصورة حقيقية عن البلد وأهله. وعلى الرغم من أنه جهد شخصي، فقد كان أثره كبيرًا ومقدرًا، وأثبت أن الرسالة الصادقة، عندما تُقدَّم بحماس وذكاء وتوقيت مناسب، تستطيع أن تحقق أثرًا يتجاوز حجم الإمكانات.

ومن هذا النموذج الفردي أنتقل إلى الإطار الوطني الأوسع؛ فمشروع السردية الأردنية الذي أطلقه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، يمثل خطوة وطنية مهمة لبناء سردية تستند إلى تاريخ الأردن، وتصون ذاكرته، وترسخ هويته.

لكن امتلاك الإرث التاريخي وحده لا يكفي؛ فنحن نملك إرثًا عظيمًا، والتحدي يكمن في كيفية روايته، وتحويله إلى محتوى معاصر ومؤثر، والبناء عليه لصياغة سردية أردنية للحاضر والمستقبل: من نحن؟ ماذا أنجزنا؟ ما الذي ندافع عنه؟ وإلى أين نتجه؟

وهنا لا تبقى السردية مشروعًا لتوثيق التاريخ فحسب، بل تصبح إطارًا لفهم الحاضر والدفاع عن الموقف الوطني عند الأزمات. وتقدم الاعتداءات الإيرانية السابقة والأخيرة مثالًا عمليًا واضحًا أمام المجتمع وصاحب القرار: لقد امتلكنا خط دفاع عسكريًا وأمنيًا شعرنا بقوته وجاهزيته، ونحتاج إلى خط دفاع إعلامي نشعر بالثقة نفسها في حضوره وتأثيره.

لدينا الحقائق، والتاريخ، والكفاءات، والأصوات الوطنية الصادقة، ولدينا نماذج أثبتت قدرتها على التأثير. وما نحتاجه هو منهجية تجمع هذه العناصر ضمن منظومة وطنية متكاملة للدفاع الإعلامي وإدارة السردية والسمعة الوطنية؛ منظومة تنتقل بنا من رد الفعل إلى الجاهزية، ومن الجهود المتفرقة إلى الأثر المنظم، ومن مجرد إصدار المعلومة إلى كسب الوعي والرواية.

رئيس هتان للدراسات والاستشارات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى