“للجهل تكاليف” بقلم بشرى عربيات

للجهل، تكاليف
بقلم المستشارة التربوية : بشرى سليمان عربيات

بشرى سليمان عربيات -المنتصف
بشرى سليمان عربيات -المنتصف

صحيفة المنتصف
إن الأزمةَ التي يمرُّ بها التعليم ومنذ سنوات، أزمةٌ حقيقية، لكنها تفاقمت في الآونة الأخيرة بسبب ما يُسمَّى بالتعلُّم عن بُعد، فانتشرت الفوضى وسادَ الجهل في المجتمع نتيجة فكرة التعليم عن بُعد، والتي لم تعد تقنع الأطفال قبل البالغين، ذلك لأنه يتم تقديمها بأسلوبٍ ضعيفٍ لا يليق بمستوى التعليم، ولا يليق بمستوى الطموح، إضافةً إلى أن حُجَّة تقديمها باتت حجةٌ واهيةٌ، وهي الحفاظ على صحة الطلبة، ذلك لأن الطلبةَ ليسو معزولين عن المجتمع، واستمرار تعليق الدوام في المدارس سيكون سبباً رئيسياً في تجهيلِ جيلٍ بأكمله، عندئذٍ لن تنفعَ أي خطة عمل تعيدُ الطلبة إلى مربع العلم والمعرفة.
لقد سعى الأردن ومنذ سنواتٍ عديدة إلى الإرتقاء بمستوى التعليم، وكان الأردن يتصدَّرُ العديد من الدول المجاورة، بل كان يُصدِّرُ الخبرات والكفاءات لتلك الدول، وذلك بسبب ثقتهم الكبيرة بمستوى التعليم في الأردن. ولكن ما يحدثُ منذ سنواتٍ ليست بالبعيدة هو تراجعٌ واضحٌ في مستوى التعليم،سواءً كان في المدارس أم في الجامعات، وبما أن الجامعة هي الرافدُ الأساسيّ لوزارة التربية والتعليم، ليدخلها أي خرّيج مهما كان مستواه العلمي، فقد أصبحت مدارسنا الحكومية مرتعاً خصباً لعددٍ كبيرٍ من المعلمين والمعلمات الذين لا يمكن التخلّي عنهم في حال وجود أي تقصير أكاديميّ، ذلك لأن عدد سنوات الخدمة هي المعيار الرئيسيّ للترقية وليس على أساس تطوير الأداء، وبذلك يكون كلُّ من دخل وزارة التربية والتعليم فهو آمن! ليس هذا فحسب، بل ربما يترقَّى من لا تُسعفه إمكانياته العلمية ليكون معلماً إلى وظيفة مشرف أو مديراً للتربية ، وبذلك يزداد إتساع الفجوة، ويتنامى الجهل. إضافةً إلى ذلك قيام عدد كبير من المدارس الخاصة بتعيين معلمين ومعلمات برواتب زهيدة واستبعاد الكفاءات والخبرات، الأمرُ الذي يؤدي لزيادة إتساع فجوة الجهل، بحيث لا يمكنُ ردمها.
هذا الجهل له تكاليفٌ باهظة، تكاليفٌ تبدأ من الرواتب المدفوعة لأشخاصٍ لا يمتلكون أدنى درجات الكفاءة، وتكاليف أخرى معنوية تنعكسُ سلباً على الأجيال، بحيث ينشأُ جيلاً تائهاً حائراً جاهلاً، لا يعرف ما هو الطموح، ولا يعرفُ القراءةَ والكتابة.
وجاءَ التعليم عن بعد، ليصرفَ تكاليفاً أخرى على المنصات، هذه التكاليف التي تصبُّ حتماً في بوتقةِ تنامي الجهل بين الطلبة في مختلف المراحل الدراسية، وإذا كانت هذه التكاليفُ المادية سبباً في انتشار الجهل فإن أضعافاً مضاعفة من هذه التكاليف المادية لن تستطيعَ إنقاذ الأجيال من جهلٍ مرعبٍ يحدِّقُ بهم.
نعم، للجهلِ تكاليف، وأهمها الوصول بالجيل إلى مستوى من الجهلِ مخيف، وعدم القدرة على سماعِ الأنين الذي يصدرُ عن التعليم لأنه صار ضعيف! هذا الأنين الذي اخترقَ نفوسَ الأطفالِ واليافعين، ليحدثَ ألماً لن نجدَ له تصريف! لقد انتشر الجهل وعمَّت الفوضى في المجتمع وأصبح الطفلُ يعملُ من أجل الحصولِ على ثمن الرغيف! أعيدوهم إلى مقاعد الدراسة قبل أن يفقدوا الثقةَ فيكم وفي أنفسهم، عندئذٍ تتأكدون أنه كان للجهل كل هذه التكاليف.

شاهد أيضاً

اديب جوده الحسيني-فلسطين

رصوا الصفوف في الصلاة ودعونا نستنشق رائحة البخور في اروقة الكنائس..بقلم اديب الحسيني

رصوا الصفوف في الصلاة ودعونا نستنشق رائحة البخور في اروقة الكنائس . بقلم اديب جودة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *