أخبار المنتصف
أخبار عاجلة
مجتمع المنتصفمقالات

رحل ” رفعت ناصر الدين”وما من جواب… بقلم أسامة برهم

رحل رفعت وما من جواب… بقلم أسامة برهم

أسامة برهم ورفعت ناصر الدين- المنتصف
أسامة برهم ورفعت ناصر الدين- المنتصف

صحيفة المنتصف

مقدمة
كتبت هذه المقاله ورفعت على قيد الحياة ،لن يقرأها ولن يفرح بنشرها كما كان يفرح ، فتأخرت المقالة بضع ايام ليحاصرها الموت

رفعت ناصر الدين - المنتصف
رفعت ناصر الدين – المنتصف

وفي عام 1938 كانت سيدة تعيش بالقدس منهكة من حملها و من خيبات الوطن العربي , كان في احشائها جنين لا تعرف جنسه , قالت لها احدى السيدات العارفات ان في داخلك طفلة , تلك التنفخات كالحمل بالبنات , و احداهن تحدت ان يكون الجنين بنتا ,وكان حسين كرجل أوروبي ينتظر الولادة , كان عربيا تقدميا وسيم , لم يكن قلبه كرجال تلك الحقبة , ولدت نظمية في ليلة باردة فحضرت احدى الدايات مبللة في تلك الليلة , لتعلو الصرخات في البلدة القديمة و بعض الزغاريد المبحوحة ,صرخت نظمية مرتان , مرة لتنجب طفلا بلا نفس , ومرة لتلد رفعت , طفل شاحب متعب من رمادية المشهد حضر الى تلك الحياة باكيا , والمطر يكتم صوت الزغاريد والافراح الخجولة والحزن على شق التوم الذي رحل .

أسامة برهم ورفعت ناصر الدين- المنتصف
أسامة برهم ورفعت ناصر الدين- المنتصف

كبر رفعت بسرعة , دون ان يشعر , والاحداث تكبر معه , كان جنديا بريطانيا يطارد أحلامه الصغيرة في زقاق المدينة , وكانت الثورة العربية الكبرى في نهايتها , وكانت قصة فؤاد حجازي وجمجوم وعطا الزير لا زالت تروى كحدوتة من التراث في المجتمع الفقير عن ابطال اعدمهم المحتل , وكان فاروق الأول يجلس على عرش مصر , وكان اعلان الحكومة التركية طازجا , وكانت البلاد تحت وصاية امارة شرق الأردن في زمن الملك عبد الله بن الحسين الجد , ولم تكن الخارطة العربية كما هي الان , ورفعت يكبر بهدوء دون ان يزعج احد , كانت الميليشيات تتربص بالحواري , وخلاف بين الكل الفلسطيني , قسم يقاوم وقسم يفاوض , وقسم يجلس بصمت , واغتيالات داخلية وفوضى , وقرارات حرب التطهير العرقي , “وهاجاناة” تنمو وتكبر ومجلس الشعب اليهودي يجتمع مكثفا وبن غوريون يحتل المشهد كنجم يرسم سياسات , ورفعت يتربص بالأخبار منذ كان طفلا حتى سقطت نصف ارضه ونصف وطنه ونصف قلبه ،ورفعت يهرول بين الناس ويسمع قصص الثوار ويرى جيوشا عربية تتقهقر .

رفعت ناصر الدين - المنتصف
رفعت ناصر الدين – المنتصف

بات رفعت شابا هويته ضائعة , وهو ضائع في زمن الهزائم , ويسمع البطولات كطحنا كاسرا , ويسمع انين الأرض ويرى بوابة “مندلبوم” تقسم الحلم و الحكايات و التاريخ , كان يجلس عند المصرارة ليرى كيف تبدو الحدود وكيف تدخل الشاحنات و تحمل الأغذية , وكان يرى قافلة تسير الى جبل المشارف تزود الجامعة المغروسة في قلب العاصمة بالعتاد كان اسمها جامعة القدس لتصبح الجامعة العبرية , ورفعت يحلل و يحاول فهم المعادلة , و الاحداث تمشي ووجه رفعت يرتسم و شاربه بدأ يكون أكثر سوادا رغم نعومته , وصوته بدأ اكثر رجوليا رغم الشعر الذي بات يصبح متجعدا ببطء .

رفعت ناصر الدين - المنتصف
رفعت ناصر الدين – المنتصف

بدأت الثورات تخمد , والاحاديث تختلف , و الأسواق تختلف , و حتى وجوه الناس باتت تختلف , ورفعت بات شابا , وملامحه أيضا باتت تختلف , وصار يتحدث وحده بالسياسة و التحرير و الوحدة العربية , وصار حزب القوميين العرب ينشر بيانات تثقيفية وسياسية وتحريضية كما زعم المحتل منذ تأسيسه , ورفعت يتابع كل حرف , و يسمع الإذاعات العربية و الأغاني الثورية و يؤمن ولو قليلا بوعود الجيوش و التحرير , وكان الفن المصري بداية انفتاحه, وحليم وفريد وام كلثوم و الأفلام تنتشر بالأسواق , وتناقض عربي بين الثورة و الخذلان , ورفعت يحاول ان يرسم خطه الوحدوي و القومي وسط السراب المزعج للنظر , حتى سقطت كل فلسطين و اغنية خلي السلاح صاحي تتكرر على صوت العرب واحدهم ينادي باللهجة المصرية جع يا سمك البحر , حتى ظهرت سعاد حسني في فيلم خلي بالك من “زوزو” , ايقن رفعت ان “زوزو” اهم الان من السلاح , ولينام السلاح ولتبقى زوزو ملهمة للشعوب المنهزمة .

رفعت ناصر الدين - المنتصف
رفعت ناصر الدين – المنتصف

كان رفعت موظفا في شركة كهرباء محافظة القدس ، تدرج وتقدم حتى اصبح اداريا ،كانت الشركة لرفعت كالام والوطن ، كان رفعت حاضرا في كل تفاصيلها ،كان اميناً عليها كأهل بيته ،تزوج رفعت وبدأت زوجنه تنجب أولادها مع خيبات عربية منقحة , ومبتذلة , وليست صادمة , ونمطية , وصارت المجازر بالشتات خبرا هامشيا و صارت صور الموت عادية في ارشيف الشعوب , ورفعت كان متهكما منزعجا من مسرحية هزلية , لكن رفعت لم يحمل الراية البيضاء , وصار مشاركا في كل مناسبة وطنية او محلية , فحمل رفعت تابوتا رمزيا لجمال عبد الناصر , و رفض الصلاة يوم الجمعة بالمسجد الأقصى المبارك يوم زيارة السادات وصلى مع المعترضين في مسجد جمال عبد الناصر في رام الله للإشارة الى رمزية اسم المسجد , وكان يوزع خلسة منشورات ق.و.م في القدس , وكان نشيطا من خلال عمله ويسير وفودا الى اريحا وغزة لاستقبال عرفات ابان عودته الى فلسطين والحياة كانت تهرول و يهرول معها رفعت وله كما قالت والدته رحمها الله ” له في كل عرس قرص” .
استمرت الاحداث تتوالي في المدينة التي يسكن فيها رفعت , وبدأت البلاد لا تطيق أحمالا وأحداث , وتغيرت حياة رفعت الشاب الى حياة رب اسرة له أولاد و بيت ومستقبل مجهول , لكن لم يبتعد رفعت عن تفاصيل حياته الدقيقة و وجع البلاد , ولم يتجاهل خبر واحدا , كان حاضرا في وقفات الاسرى , و في بيت الشرق الذي اغلقه الاحتلال , وضد أسرلة مؤسسات وفكر المجتمع و المؤسسات بالقدس , حتى انه في حرب الخليج حيث كان الحصار يخنق القدس ومنع للتجوال, كان رفعت يوزع الخبز في حي وادي الجوز تهريبا , وكان ناشطتا نشيطا وفاعلا دون كلل ,لم يترك رفعت نقابة ولا حراكا سياسيا او رياضيا او اجتماعياً إلا وكان كادرا ومؤسسا وملهما وداعم.

رفعت ناصر الدين - المنتصف
رفعت ناصر الدين – المنتصف

تقاعد رفعت الكبير بالسن , وتخرج ابناءه , وتقاعدت زوجته , وصار حرا من التزامات الدنيا , لم تنفصل شخصيته عن مكان عمله وبقي ملتزما في عمله متطوعا مؤسسا لجمعية أمناء شركة الكهرباء, وكان اداريا بنادي الموظفين وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وبقي حاضرا في قضايا مدينته واهله ومجتمعه , حتى قرعت طبول حرب 7 أكتوبر , التزم رفعت الصمت , جلس رفعت على اريكته التي هي بجانب التلفاز , اعطى ظهرة لتلك الشاشة التي لا تتوقف عن بث الاخبار العاجلة , لم يكترث لشي , كنت كلما سألته سمعت عمو مين اغتالت إسرائيل اليوم , كان يجيب علي باللهجة المحلية “معلووم” مع مد الواو . طبعا طبعا , ولم يكن يضيف أي تعليق , كنت أحاول استفزازه ببعض الأسئلة , كان يجلس كحنظلة ظهرة للشاشة التي تتوسط غرفة الجلوس , وكان يتهرب كل مرة , هل هو الكبر يا رفعت ام فقدان الامل بالنصر, هل كانت النكبة و النكسة و الهزائم كبتر الامل من قلبك يا رفعت , ام ان ايمانك بالنصر يعطيك القوة على الصمت , هل تسمع اسئلتي وتتابع الاخبار ام مللت من احداثنا الدامية ,هل تعرف شيء لا نعرفه , ام انك ايقنت اننا لم نكن نعرف شيء لا عنا ولا عن الغرباء , هل تسمعني يا “أبو سامر” , وانت الذي يفهم بالسياسة ويعرف كيف ضاعت البلاد ,هل من جواب ؟؟؟؟

مات رفعت ناصر الدين وانا انتظر الاجابة ، هل النصر بات وشيكا يا ابا سامر ام لا زلنا هناك .

رحم الله العم رفعت ناصر الدين والهم القدس واهلها الصبر والسلوان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى