الوعي المجتمعي مسؤولية من؟… بقلم د. محمد علي الحسيني

صحيفة المنتصف
حين نتحدّث عن الوعي المجتمعي فإننا لا نتحدّث عن ترف فكري أو ثقافة عامة يمكن الاستغناء عنها، بل نتحدث عن أحد أهم عناصر الأمن والاستقرار والتنمية في أي مجتمع. فالوعي هو الحصانة الأولى ضد الفوضى، وهو السد المنيع أمام الشائعات والتطرف والكراهية والانقسام، وهو البوصلة التي تهدي الأفراد والمؤسسات إلى اتخاذ المواقف الصحيحة في الأوقات الصعبة.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: من المسؤول عن صناعة الوعي المجتمعي؟
إن الجواب لا يمكن اختزاله في جهة واحدة أو مؤسسة بعينها، لأن الوعي مسؤولية جماعية تتوزع أدوارها بين الجميع، ويُسأل عنها الجميع أمام الله وأمام المجتمع والتاريخ.
يقول الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، وهي آية عظيمة تذكّر الإنسان بأن المسؤولية ليست خيارًا، بل تكليف ومحاسبة. كما قال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه الأخيار: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالمسؤولية تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند أعلى مؤسسات الدولة.
فالوعي المجتمعي يبدأ أولًا من الفرد نفسه، من صدقه في تحري الحقيقة، ومن حرصه على عدم نشر الإشاعات، ومن التزامه بالأخلاق والقيم التي تحفظ وحدة المجتمع وتماسكه. فكل كلمة تُنشر، وكل موقف يُتخذ، وكل معلومة تُتداول، هي مساهمة مباشرة في تشكيل الوعي العام سلبًا أو إيجابًا.
ثم تأتي الأسرة بوصفها المدرسة الأولى لصناعة الوعي. ففي المنزل تتشكل القيم الأولى، ويُبنى احترام الآخر، وتُغرس مفاهيم الانتماء والاعتدال والمسؤولية. والأسرة الواعية تخرج أبناء قادرين على التمييز بين الحقائق والأوهام، وبين النقد البنّاء والتحريض الهدّام.
كما تتحمل البيئة الاجتماعية المحيطة دورًا أساسيًا في هذا المجال، فالحي والمدرسة والأصدقاء ومجالس المجتمع كلها تشارك في تشكيل شخصية الإنسان وتوجيه وعيه وسلوكه.
وتأتي المؤسسات التعليمية والتربوية لتؤدي دورًا محوريًا في بناء العقل النقدي الواعي، القادر على التفكير والتحليل وعدم الانجرار خلف التضليل أو الخطاب المتطرف. فالتعليم ليس مجرد نقل للمعلومات، بل صناعة للإنسان القادر على فهم الواقع والتعامل معه بمسؤولية.
كذلك فإن المؤسسات الدينية تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في نشر قيم الوسطية والاعتدال والتسامح، وترسيخ مفاهيم التعايش واحترام التنوع ونبذ الكراهية والعنف، بعيدًا عن الغلو والتشدد أو التسييس الذي يضر بالدين والمجتمع معًا.
ولا يقل دور المراكز الفكرية والثقافية والبحثية أهمية، إذ تقع عليها مهمة إنتاج المعرفة الرصينة، وقراءة التحولات الاجتماعية، وتقديم الحلول والأفكار التي تساعد المجتمع على مواجهة التحديات المعاصرة.
أما الأندية والاتحادات والهيئات الرياضية والشبابية، فهي ليست مؤسسات للترفيه فقط، بل منصات تربوية واجتماعية تسهم في بناء الشخصية الوطنية، وتعزيز روح العمل الجماعي والانتماء والمسؤولية واحترام الأنظمة والقوانين.
كما تتحمل الوزارات والمؤسسات الحكومية مسؤولية مباشرة في تعزيز الوعي من خلال السياسات العامة والبرامج الوطنية والمبادرات التثقيفية والتنموية التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع.
غير أن الدور الأكبر والأكثر تأثيرًا في عصرنا الحاضر يقع على عاتق الإعلام بمختلف وسائله، وكذلك المنصات الرقمية وصنّاع المحتوى والمؤثرين. فهذه الجهات أصبحت اليوم المصدر الرئيس للمعلومات والاتجاهات والقناعات لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وخاصة فئة الشباب.
ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية والمهنية للإعلاميين والمؤثرين أصبحت مضاعفة؛ لأنهم لا ينقلون الخبر فقط، بل يصنعون الرأي العام ويؤثرون في المزاج الاجتماعي ويوجهون السلوك الجمعي. ولذلك فإن الكلمة الواعية قد تبني مجتمعًا، كما أن الكلمة غير المسؤولة قد تهدم سنوات من العمل والاستقرار.
إن الوعي المجتمعي ليس مشروع وزارة، ولا مهمة مؤسسة، ولا واجب نخبة فقط، بل هو مشروع وطن بأكمله. يبدأ من الفرد، وينمو داخل الأسرة، ويتعزز في المدرسة والمسجد والجامعة والنادي والمركز الثقافي، وتدعمه مؤسسات الدولة، ويقوده إعلام مسؤول يدرك أن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان.
فإذا أدرك كل فرد موقعه في هذه المنظومة، وقام بدوره كما ينبغي، ارتفع منسوب الوعي، وتعززت المناعة المجتمعية، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات وحماية مكتسباته وصناعة مستقبله.
إن الوعي المجتمعي مسؤولية الجميع، لأن مستقبل الجميع مرتبط به، ولأن الجميع سيسأل عنه يوم يقف بين يدي الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.




