أخبار المنتصف
أخبار عاجلة
الرئيسيةمقالات

المسجد الأقصى ومعركة السيادة الصامتة… بقلم أسامة برهم

وصاية في أقبية التحقيق

وصاية في أقبية التحقيق
المسجد الأقصى ومعركة السيادة الصامتة

أسامة برهم - المنتصف
أسامة برهم – المنتصف

صحيفة المنتصف

بقلم أسامة برهم

في عام 1918، ومع السقوط التدريجي للخلافة العثمانية نتيجة الانهزام الحربي، والخسارة العسكرية، وضياع أراضي الدولة، حاولت الخلافة استنهاض نفسها لكن دون جدوى، حتى أُعلن رسمياً عن إلغائها وسقوطها.

نتج عن هذا السقوط فراغ سياسي وحقيقي، وفوضى عارمة على الأرض، وتحديداً في القدس الشريف؛ حيث عاش الناس صدمة وخيبة أمل تحت وطأة الانتداب البريطاني وقراراته الجائرة.

شعر الأهالي آنذاك أن إلغاء الخلافة هو نذير شؤم يتزامن مع المد الصهيوني، وتصاعد موجات الهجرة، وأحلام الاستيطان الغريبة في المكان، ورغم أن الإلغاء لم يكن مؤثراً من الناحية الإدارية الرسمية—كون القدس كانت خاضعة بالفعل لحكم الانتداب، ولم تكن المعاملات والوثائق وشؤون الأحوال المدنية تتبع الدولة العثمانية حينها—إلا أن الضرر النفسي والمعنوي كان هائلاً.

زيارة الملك عبدالله الأول ولقاء المقدسيين - المنتصف
زيارة الملك عبدالله الأول ولقاء المقدسيين – المنتصف

بعد قرابة أسبوع من إلغاء الخلافة، بدأ الأئمة والعلماء والمشايخ والثوار بالبحث عن آلية أو خطة لحماية المكان وتخليصه من التدنيس؛ إذ صار العقار والوقف الإسلامي والمسيحي في القدس مهدداً بشكل مباشر منذ تفعيل قانون “حارس أملاك العدو”. هذا القانون البريطاني كان يمنح الإدارة المدنية البريطانية الحق في وضع يدها على أملاك كل دولة معادية لها، حيث جرى بالفعل تحويل العديد من العقارات النمساوية (مثل التكية النمساوية) إلى مقرات بريطانية. ومن هنا، بدأ الفلسطينيون والأردنيون في ذلك الوقت بالبحث عن حلول تحمي ما تبقى من أراضٍ في القدس وفلسطين التاريخية، ومن رحم هذه المعاناة ولدت “الوصاية الهاشمية”.

وقود عسكرية ومدنية أجنبية - المنتصف
وفود عسكرية ومدنية أجنبية – المنتصف

أثناء إلغاء الخلافة، لم تكن الأردن مملكة قائمة بعد، بل كانت إمارة تحت الانتداب وتتمتع بحكم مدني ذاتي منفصل عن غرب النهر، في وقت تبدد فيه حلم الشريف حسين بإقامة المملكة العربية الكبرى. كانت بريطانيا تمارس المداهنة مع العرب؛ تفاوض وتحرض وتغري في آن واحد، وكان المشهد معقداً على الجميع. وفي خضم هذه الظروف، قرر الحاج أمين الحسيني—الذي كان يشغل منصب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ومفتي القدس، جامعاً بين السلطة الدينية، والإدارة الوقفية، والنفوذ السياسي—التحرك. بصحبته عبد اللطيف صلاح ممثلاً عن نابلس، وسعيد الشوا ممثلاً عن غزة، وعبد الله الدجاني ممثلاً عن يافا، ومحمد مراد عن حيفا؛ واجتمع هؤلاء في المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس بعد ثمانية أيام فقط من إلغاء الخلافة، وتمت مبايعة الشريف حسين بن علي وصياً على المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة.

الملك حسين وضباط من الجيش الأردني في الأقصى- المنتصف
الملك حسين وضباط من الجيش الأردني في الأقصى- المنتصف

وفي عام 1948 تسلم الأردن السيادة الفعلية والإدارية على المسجد الأقصى والمقدسات حتى حرب الأيام الستة عام 1967 واحتلال القدس. ورغم الاحتلال، استمرت الوصاية حتى يومنا هذا باتفاق وتنسيق كامل مع الفلسطينيين، وتوج ذلك رسمياً باتفاقية عام 2013 بين الملك عبد الله الثاني بن الحسين والرئيس محمود عباس، والتي جرى فيها إعادة التأكيد والاعتراف بالأردن صاحب للوصاية وخادماً للأماكن المقدسة في القدس. والغريب في الأمر، أن إسرائيل نفسها أعلنت احترامها للدور الأردني الخاص في الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة بالقدس خلال توقيع معاهدة “وادي عربة” في أكتوبر 1994.
ولكن بعد سنوات قليلة، وتحديداً في عام 2000، حين اقتحم أرئيل شارون ساحات المسجد الأقصى المبارك، تحول الصراع جذرياً؛ وغدا المسجد الأقصى مركزاً لصراع ديني وسياسي يومي، مع إلغاء “غير رسمي” على أرض الواقع للوصاية الهاشمية وللسيادة الإسلامية على المكان. تطورت الانتهاكات وبدأت الاقتحامات تأخذ طابعاً رسمياً وممنهجاً منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا. ومن يقرأ ويبحث جيداً في تكتيك الاحتلال و”هندسة السيطرة” على المسجد، سيفهم تماماً أن ما يحدث على الأرض ليس وليد اللحظة ولا بمحض الصدفة، بل هو مخطط مدروس منذ سنوات. لقد تحول المسجد الأقصى—للأسف—إلى حلبة سياسية يتنافس فيها قادة اليمين المتطرف لكسب المزيد من الأصوات الانتخابية، وصارت مطالبات المستوطنين بطرد الوصاية الهاشمية تُسمع علناً في هتافاتهم عند أبواب المسجد، بل وصرنا نرى لوحات مرسومة للقدس والحائط الغربي (البراق) دون القبة الصفراء ودون أي إرث إسلامي، في تعبير صارخ عن مساعي التقسيم الزماني والمكاني الذي يجري بدعم حكومي وشرطي واضح.

اقتحامات لباحات المسجد الأقصى - المنتصف
اقتحامات لباحات المسجد الأقصى – المنتصف

إن ما يحدث على الأرض الآن هو حرب حقيقية وحصار خانق يفرض على أبواب المسجد الأقصى؛ فلم يعد أحد يحمل حصانة هناك. يمارس الاحتلال سياسة ابتزاز ضد الأوقاف الإسلامية عبر قرارات تعسفية وسخيفة يسهل استئنافها في المحاكم، والهدف الخبيث من وراء ذلك هو جرّ الوقف الإسلامي للمحاكم الإسرائيلية وتثبيت سيادتها وقضائها على المكان، وهو الأمر الذي يرفضه مجلس الأوقاف بحزم وثبات. ويأتي هذا بالتوازي مع الاعتداء الدائم على السدنة، والحراس، والمصلين، وإبعادهم لفترات طويلة غير قانونية وغير مبررة عن المسجد، وهي سياسة إبعاد طالت علماء ومشايخ ومقرئين وموظفين، وحتى عمال النظافة والصيانة والمراسلين البُسطاء.

جندي إسرائيلي متدين في باحات الأقصى- المنتصف
جندي إسرائيلي متدين في باحات الأقصى- المنتصف

خلاصة القول هي توضيح أن المسجد الأقصى المبارك في خطر حقيقي ومحدق، وأن الإرث التاريخي للمجلس الإسلامي الأعلى ليس بعيداً عن هذا الاستهداف. قد تطال الاعتداءات والإبعادات أعلى الهرم القيادي والديني في القدس من أجل فرض سيادة الاحتلال الكاملة على ساحات المسجد وأروقته. وأمام هذا الواقع، لا بد لنا من تثبيت تلك “الوصاية المطاردة”، وإسنادها ودعمها بشكل كامل، والالتفاف حول كل جسم إسلامي ومسيحي في القدس، وإيجاد آليات حيوية للحفاظ على هوية المكان، رغم قتامة المشهد السياسي في المنطقة بأسرها.

أسامة برهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى