أخبار المنتصف
أخبار عاجلة
اقتصادمقالات

مليون شيكل غرامة أو سجن عام… بقلم أسامة برهم

عقوبة وكلاء التأمين في القدس

مليون شيكل غرامة أو سجن عام عقوبة وكلاء التأمين في القدس

أسامة برهم - المنتصف
أسامة برهم – المنتصف

صحيفة المنتصف

لم تعد المسألة في القدس مجرد بحث عن قسط تأمين أرخص لمركبة، بل تحولت إلى “حقل ألغام” قانوني وسياسي يضع المواطن والوكيل المقدسي بين فكي كماشة. خلف الكواليس البرلمانية، يقود حزب “الليكود” اليميني، عبر عضو الكنيست “أبيحاي بؤارون”، تشريعاً دراماتيكياً يفرض عقوبات غير مسبوقة تصل إلى السجن الفعلي لمدة عام أو غرامة مالية تصل إلى مليون شيكل على كل من يسوّق، أو يتاجر، أو يصدر، أو يتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع بوالص التأمين الفلسطينية داخل الخط الأخضر والقدس. هذا القانون، الذي يُسوّق إسرائيلياً كأداة “لحماية المستهلك”، يحمل في طياته تطبيقاً غير مباشر لمفهوم “السيادة والسيطرة المطلقة”، ممارساً سياسة “دسّ السمّ في العسل” عبر خنق الخيارات الاقتصادية المتاحة للمقدسيين.
وقبل الاسترسال في التفاصيل، تجدر الإشارة إلى هوية من يقود هذا القانون؛ وهو عضو الكنيست عن حزب “الليكود” أبيحاي بؤارون (Avichay Buaron)، المستوطن الراديكالي الذي ينحدر من بؤرة “عمونة” الاستيطانية، والمعروف بمواقفه اليمينية المتطرفة التي تراوحت بين الدعوة لطرد النواب العرب من البرلمان ومهاجمة القيادات الأمنية المعتدلة. لا ينطلق بؤارون في هذا القانون من دوافع اقتصادية أو تنظيمية لحماية المستهلك، بل من منظور أيديولوجي يرى في لجوء السائقين العرب للشركات الفلسطينية ثغرة تُهدد “السيادة الإسرائيلية المطلقة” على القدس والداخل؛ وهو ما يفسر الطابع العقابي والترهيبي الصارم للتشريع، الذي يوظف عقوبة السجن والغرامة المليونية كأداة سياسية لقطع أي ترابط اقتصادي أو جغرافي للمقدسيين مع الضفة الغربية. وهو ذاته الذي دعا مراراً لتعزيز الاستيطان بالضفة، وطالب بإجراءات متطرفة في غزة، وصرح علانية في لقاء سابق: “سنأخذ الحرم الإبراهيمي متراً متراً كما بدأنا”.
تمارس شركات التأمين الإسرائيلية تمييزاً بنيوياً واضحاً ضد السائقين والمقدسيين العرب؛ حيث ترفض هذه الشركات تأمين مركبات سكان القدس الشرقية، أو تضع شروطاً تعجيزية وترفع الأسعار بنسب جنونية تجاوزت 75% خلال السنوات الأخيرة بذريعة “ارتفاع معدلات السرقة والمخاطر” في الأحياء العربية. هذا الرفض الممنهج لم يترك للمقدسي خياراً؛ فإما التحرك بمركبة بلا تأمين ومواجهة خطر الملاحقة، أو البحث عن بديل خلف الجدار.
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، لم تكن الشركات الفلسطينية ملاذاً رحيماً؛ بل رأت في أزمة المقدسيين وانسداد الأفق أمامهم “دجاجة تبيض ذهباً”. انطلقت هذه الشركات بدافع تجاري بحت للاستحواذ على سوق القدس، مستغلة حاجة الزبون لتبيعه بوالص بأسعار أقل من السوق الإسرائيلي، ولكن دون تقديم ضمانات حقيقية. وتغيب المعايير الاستهلاكية الصارمة عن هذا القطاع في القدس؛ فالشركات الفلسطينية لا توفر شبكة خدمات حقيقية أو ورش تصليح معتمدة داخل المدينة، مما يجعل البوليصة مجرد ورقة شكلية لإنقاذ السائق من الملاحقات العشائرية ، دون حماية حقيقية عند وقوع الحوادث، ناهيك عن القوانين التي لا تنصف المقدسي بالتعويضات، والمزاجية في معالجة القضايا، والأهم من ذلك: غياب سلطة تنفيذية تُلزم الشركات الفلسطينية بتحصيل الحقوق، في ظل تراجع الرادع الأخلاقي والقانوني.”
الكل يعرف ان القدس المحتلة تعيش في “منطقة رمادية” جغرافياً وقانونياً. هذا الغياب الفعلي لسيادة قانون واضحة خلق فوضى عارمة؛ فالزبون المقدسي يشتري بوليصة فلسطينية لا تخضع لرقابة هيئة سوق المال الإسرائيلية، وفي الوقت ذاته لا تستطيع السلطة الفلسطينية حمايته أو إلزام الشركات بالدفع له داخل القدس. وعند وقوع حادث سير، يجد الزبون نفسه وحيداً في مواجهة فراغ قانوني قاتل: الشركات الإسرائيلية ترفض التعامل معه، والشركات الفلسطينية تتهرب من الدفع مستغلة عدم قدرة المحاكم اعلى فرض أحكامها ،و يبقى ملجأ المقدسي هو البحث عن معارف ووسطاء لحل الخلاف مع الشركات نفسها .
ولتوخي الإنصاف، يُصنف قطاع التأمين في ظل هذه الظروف كقطاع يعاني من تشوهات حادة. فرغم أن وثيقة التأمين تنص على التزام الطرفين بـ”حسن النية”، إلا أن الواقع العملي يكشف عن غياب هذا المبدأ؛ إذ لا يزال المؤمن له ينظر إلى شركات التأمين كـ”مصدر مالي مفتوح”، ويلجأ البعض إلى تزوير الحوادث أو المبالغة في تقدير الأضرار. وفي المقابل، تتعامل شركات التأمين مع المؤمن له وقت الحادث بعين الشك والاتهام، ويتم رفض النسبة الأكبر من المطالبات لأسباب غير قانونية. أما الوكيل أو المنتج فيقف في المنتصف، وفي كثير من الحالات يتواطأ مع المؤمن له لتحصيل تعويضات غير مشروعة، مما يجعل الشراكة بين المؤمن والوكيل أقوى من الشراكة بين الوكيل والشركة نفسها.
أما تداعيات الحرب الأخيرة من الناحية الاقتصادية، فقد كانت نتائجها كارثية؛ إذ كشفت عورات قطاع التأمين وضعف ملاءته المالية، وحفزت الباحثين للتدقيق في المبالغات التي تُقدّم لهيئة سوق رأس المال حول الأرباح السنوية التي لا تعكس حقيقة الأزمات. ونتيجة لمنع العمال الفلسطينيين من العمل في السوق الإسرائيلية، شهد السوق تراكم مليارات الشيكات المرتجعة للعمال الذين توقفت أعمالهم ودخلهم كلياً.

هنا يأتي دور حزب الليكود وعضو الكنيست “أبيحاي بؤارون” الذي قدم مشروع القانون. فبغطاء “الحرص على القانون وحماية السائقين من بوالص غير معترف بها”، يمرر اليمين الإسرائيلي أجندة سياسية تهدف إلى قطع أي صلة اقتصادية أو مؤسساتية بين القدس الشرقية والضفة الغربية. إنها عملية “دسّ السمّ في العسل”؛ إذ يظهر القانون بمظهر الحامي للمواطن من الشركات الفوضوية، لكنه في الحقيقة يغلق النافذة الوحيدة التي كانت تقي المقدسيين نار الأسعار الإسرائيلية، دون تقديم أي بديل أو إلزام الشركات الإسرائيلية بوقف سياساتها الاحتكارية والعنصرية ضد العرب.
الواقع في القدس لا يشبه أي مكان آخر، والحرب هنا ليست بالرصاص وحده؛ بل إن حرب السيادة تأخذ منحىً قانونياً واقتصادياً شرساً، وباتت كل مهنة أو حرفة في القدس خاضعة للرقابة اليمينية الممنهجة. ليست المدارس وحدها من تدفع ثمن تضييقات عضو الكنيست “تسفي سوكوت”، وليس الأسرى وحدهم من يعانون من سياسات “إيتامار بن غفير”، وليس الاقتصاد الفلسطيني وحده من يئن تحت وطأة قرارات “بتسلئيل سموتريتش”، بل حتى قطاع التأمين البسيط بات يواجه مقصلة القوانين التي يقودها “أبيحاي بؤارون”. وكأن القدس تحولت إلى حلبة لاستعراض عضلات اليمين المتطرف، ليبقى المواطن البسيط مطارداً في تفاصيل حياته اليومية وقوت يومه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى