عندما يتحول التأمين إلى خيبة أمل ..بقلم اسامة برهم

صحيفة المنتصف
قد يعتقد البعض، وبعد عقدين من الزمان قضيتها بحُكم المهنة والتجربة في أروقة قطاع التأمين والمركبات وحوادث الطرق، وبين أرفف المطالبات ومحاضر المؤسسات، أنني أبحث اليوم عبر هذه الكلمات عن طوق نجاة؛ لكن الحقيقة أكثر قسوة وأشد مرارة. بعيداً عن أي نشاط سياسي أو اجتماعي، وبعيداً عن الانحياز الكامل للقدس بخيرها وشَرّها، أتحدث هنا كرجل تأمين وصاحب مكتب لتخليص الحوادث، ضاق ذرعاً من تراكم الملفات وتكدس المطالبات المعلقة لدى الشركات الفلسطينية. أكتب اليوم عن وجع حي أعيشه يومياً في قضايا إسرائيلية أتوكل بها، حيث أجد نفسي مكبلاً ومضطراً لمقاضاة المؤمن البسيط وملاحقته، لا لشيء إلا لأن الشركات تملصت من التزاماتها وتركت المواطن بين فكي المطرقة والسندان. قد تكون هذه المقالة أشبه بقصيدة رثاء أو سيمفونية تُعزف على أطلال قطاع تأمين وطني يوشك أن يغرق كغيره من المنظومات الكرتونية في السوق الفلسطينية، تحت ثقل يمينية المشرّع للقوانين، والتماهي المريب في ضرب العمق الفلسطيني واستنزافه على مدار الأعوام الثلاثة الماضية. فلا بد لي هنا من الإشارة والكتابة بصوتٍ حاد في زمنٍ لم يعد فيه للمقدسي متسع من الوقت ولا المساحة ليكتب أو ليصرخ. قد تظهر هذه المقالة تهجمية بعض الشيء، أو ربما كثيراً، لكن الوجع المكتوم والغضب المتراكم في الصدور مبرران تماماً… فلا تهاجموني بعد قراءة المقال.
منذ سنوات طويلة، يجد المقدسي البسيط نفسه تائهاً وحيداً في المساحة الفاصلة والرمادية بين عالمين؛ مساحة جغرافية وسياسية لا ترحم ولا تفهم، ولا يجدي مع إدارة واقعها أي قدر من الشرح أو المبررات المنطقية. إنها مساحة لا تعترف أصلاً بهويته ولا بجغرافيته المركبة، والجانبان ينظران إليه على أنه عنصر غريب، أو مجرد مشرد، أو في أفضل الأحوال واحد من الرعاع الذين لا باكي عليهم. لكن الألم اليومي الأشد إيلاماً لا يأتيه هذه المرة من الآخر، بل ينبت من قلب المؤسسات الوطنية التي وُجدت في الأصل لتكون سنداً لثباته، ولتعزيز صموده في مدينته المحاصرة، وعملت على إيجاد بدائل محلية تستوعب أحلامه وطموحاته وتستثمر أمواله. أنشئت المؤسسات الفلسطينية وشركات التأمين، وسارع المقدسي للالتحاق بها وإيداع ثقته وأمواله فيها، إيماناً منه بأنه جزء أصيل وشريك حقيقي في هذا النسيج الوطني. واشترى الوثيقة المروّسة بلغة يفهمها وبأسماء ونصوص ثورية تزيد من ارتباطه بأرضه ووطنه، ولم يكن يعلم في تلك اللحظة أن خلف حبر تلك الوثيقة يتخفى تمييز هيكلي، وتنصل صريح، وتهرب متعمد، واستخفاف يذل حقوقه عند أول اختبار. والأنكى من ذلك أن سعر هذه الوثيقة لم يكن يختلف في غلائه عن الوثيقة الأخرى المروّسة بشعار “معاً ننتصر” باللغة العبرية، وتحتها وفوقها خطان أزرقان! الفرق الجوهري والوحيد أن الوثيقة الأولى تسمح له بزيارة أهله وأقاربه في المدن المفروزة ضمن مناطق “أ”، أما الثانية فتغطي كافة المناطق الأخرى باستثناء تلك المدن التي يقطن فيها أهله بالذات في الضفة الغربية.
وعند التمعن في أسماء شركات التأمين ومسمياتها التجارية، تظهر المفارقة البنيوية بين الثقافتين الإداريتين والتسويقيتين؛ فالشركات الفلسطينية تتوسل بالأسماء الوجدانية والقيمية المباشرة التي تداعب الانتماءات؛ فـ **”فلسطين للتأمين”** تمثل الشركة الرسمية المملوكة بأسهم كبرى لحركة التحرير الوطني الفلسطيني وتعكس انتماءً رسمياً وسياسياً بحتاً، بينما توهمك **”الأهلية”** بالصلاحية والقدرة وتوفير الأمان، وتشرق عليك **”المشرق”** بدعايتها حول “الشمس التي ستشرق حتماً”، وتعدك **”ترست العالمية”** بالثقة والائتمان، في حين جرى اشتقاق اسم **”العالمية المتحدة”** لتوحي وكأن العالم بأكمله يجتمع في شركة واحدة هنا. أضف إلى ذلك استدعاء البعد الديني والروحي؛ حيث تجد **”التكافل”** و”تمكين” تداعبان مشاعر المسلمين بأسماء ومصطلحات إسلامية براقة، و”الأراضي المقدسة” التي صُممت لمداعبة مشاعر المسيحيين والمسلمين معاً وتوظيف قدسية المكان.
في المقابل، تعتمد الشركات الإسرائيلية أسماءً ومسميات تشغيلية ترتبط بالمجال الاقتصادي، والمؤسسي، وإدارة المخاطر والتأمين الشامل؛ مثل **”ميغدال” (Migdal)** التي يعني اسمها “البرج” والمأخوذة من فكرة الحصانة والاستقرار المالي، و”هارئيل” (Harel) وتعني “جبل الله” المعبّرة عن الثبات والقدرة المالية العالية، و”كلال” (Clal) وتترجم إلى “العموم” أو “الكل” للإشارة إلى التغطية الشاملة والموسعة، و”الفينكس” (Phoenix) المنبعثة وتدل على استعادة الأصول والمرونة التشغيلية، إضافة لشركات مثل **”شيربيت”** وغيرها. وتستند هذه الشركات في عملها إلى المهنية المؤسسية وإجراءات الجباية والصرف الصارمة المحكومة بقوانين واضحة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ إذ يجد المقدسي نفسه متأرجحاً بين قطاع إسرائيلي يعمل بآليات مؤسسية مادية بحتة، وبين قطاع محلي تحصّن سنواتٍ طويلة خلف الشعارات الوطنية والرموز الروحية دون أن يبني قاعدة إدارية أو مالية صلبة تحمي مؤمنيه عند الأزمات. وكانت هذه الهشاشة المنتفخة بأسماء برّاقة تتطلب مجرد شرارة واحدة ليتهاوى القناع وتنكشف الحقيقة؛ وهي الشرارة التي اندلعت مع اندلاع الحرب الأخيرة.
فقد جاءت الحرب لتضع كل تلك الشعارات والمسميات الطنانة على المحك الفعلي، كاشفة عورات الشركات الفلسطينية بلا مساحيق، وفاضحة الأزمة الأخلاقية العميقة التي تسبق حتى الأزمة المالية؛ حيث واصل رأس المال الفلسطيني ممارسة هوايته في الاختباء المريح تحت مظلة الحرب والأحداث، ليتخذ منها ستاراً وذريعة للتهرب الكامل من مسؤولياته تجاه المؤمن المقدسي. أصبحت نشرات الأخبار اليومية سِتاراً مريحاً لممارسة العربدة، والتنصل من التزامات التعويض، والتذرع الدائم بالأزمات الاقتصادية، وانقطاع العمال، والشيكات الراجعة. وُضع الحصار على المؤمن عند شراء الخدمة، ولم تتردد الشركات في إذلاله ومماطلته عند المطالبة بحقه. وكان المطلوب دائماً من المقدسي البسيط أن “يشعر” بالشركات، وأن يتضامن مع الموقف، وأن يحمل على كاهله المنهك وزر وتبعات الحرب وكأنه سائح يتنزه في شارع الشانزليزيه لا يعيش في قلب أتونها! وبات يُخيل للمرء أن إدارات الشركات تُدار من داخل الأنفاق وتحت القصف المباشر بينما المواطن البسيط ينعم بالرفاهية المطلقة، وعليه بالتالي أن يتفهم ويصبر. ففي الوقت الذي أغلقت فيه الشركات أبوابها وخزائنها وأرصدتها عن دفع المستحقات، لم تفكر لحظة في إغلاق هذه الأرصدة أمام عملية الجباية، بل فرضت على المواطنين شرط “تدبير الكاش” بحجة توفير رواتب الموظفين، في صورة ناصعة للازدواجية المقيتة والتنكر التام للواجب الإنساني والوطني تجاه البسطاء، ناهيك عن ضرب الالتزامات المالية المتراكمة مع الكراجات وورش التصليح في عرض الحائط.
تتضاعف أبعاد هذه المأساة وتتجلى في أبسط صورها اليومية حين يقرر المواطن الذهاب بنفسه إلى مقر إحدى تلك الشركات لمتابعة ملفه؛ فيصطدم بمملكة من البيروقراطية المتعفنة وإمبراطورية عريضة من اللامبالاة وانعدام الانتماء. مكاتب فارغة، وتسرب وظيفي يفقس في كل زاوية؛ هذا الموظف يعتذر بأن الحاجز أُغلق في وجهه، وذاك يغادر المكاتب منتصف النهار لإحضار أولاده من المدارس، وأخرى تضيع بين استراحات الصلاة والطعام والدردشة الطويلة في أروقة المبنى. أما المراجع البسيط فما عليه إلا أن يحزم أمتعته ويكرر المحاولة في أيام أخرى علّه يظفر بلحظة تجاوب. وفي أروقة هذه المباني العاجزة، تقابل مدراء مجردين من أي صلاحية اتخاذ قرار، يتخذون من ممارسة الرفض والامتناع عن الدفع درعاً حامياً ينقذهم من توبيخ إداراتهم العليا التي تعتبر الماطلة والتأخير سياسة تجارية مربحة. بل إن هؤلاء المدراء باتوا يفضلون الذهاب إلى قرارات المحاكم الإلزامية بكل ما تحمله من تكاليف وأتعاب قضائية مضاعفة، فقط ليتجنبوا قرار الحل الودي الذي يضمن توفيراً حقيقياً للجميع، لكنه يضعهم في دائرة الاتهام أمام الإدارة! وفي خضم هذا العبث، يجد المقدسي أن تقدير التعويض في حالات الخسارة الكلية لمركبته يخضع لمعادلة ظالمة؛ حيث يتقاضى تعويضاً هزيلاً يقل بكثير عما يتقاضاه ابن الضفة الغربية، رغم أن كلفة الحياة وشراء المركبات وغلاء المعيشة في القدس يتجاوز بمراحل ما هو موجود هناك، ليجد المقدسي نفسه مجرداً من كل حماية، خصوصاً وأن القانون الفلسطيني لا يساوي أساساً بين اللوحة الصفراء واللوحة البيضاء عند استحقاق التعويض.
وهنا تحديداً نصل إلى أشد زوايا هذه المسرحية عبثية ومرارة؛ اللحظة التي يُجبر فيها المقدسي على المفاضلة بين ألمين وأمرين أحلاهما مر. يجد المواطن نفسه يتمنى في سره لو أن حادث السير الذي تعرض له كان مع مقدسي آخر، أو حتى مع مستوطن يقطن أرضه غصباً واعتداءً، فهو أهون على نفسه وأخف وطأة بمليون مرة من حادث سير يجمعه بابن جلدته ممن يحمل التأمين الفلسطيني! فغالباً ما ترفض الشركات دفع التعويض للمتضرر في حوادث السير التي تقع بين مقدسي وغيره حتى لو كان متسبباً بالحادث مؤمّن لديهم، بحجج واهية وسخيفة من قبيل “عدم تصوير الحادث لحظة وقوعه”! يضاف إلى ذلك أن المقدسي لا يملك شبكة نفوذ أو “واسطة” عشائرية وسياسية في الضفة تضغط على الشركات لحفظ حقه، بخلاف ابن الضفة الذي يمتلك امتداداً عائلياً ومجتمعياً يمثل رادعاً وتهديداً حقيقياً يمنع الشركة من الالتفاف عليه والتنصل من حقوقه.
وتزداد الكوميديا السوداء ضراوة في قضية الشيكات والتداخل المصرفي؛ فالأمر يتعدى مجرد أزمة مالية إلى سوء تجيير واضح وعجز عن التفكير في حلول خلاقة. فشيكات المقدسيين الصادرة عن بنوك إسرائيلية لا تُمحى ولا تُجبي بقرار سياسي واضح الصراحة من “سموتريتش”، ومع ذلك لا تتردد الشركات والبنوك الفلسطينية في تحميل المواطن كامل المسؤولية! يُسجَّل على المواطن المقدسي “نقاط سوداء” وتراجع في التقييم البنكي، رغم أن رصيده المالي مكتمل وموجود بالكامل في حسابه، لكن التجيير والقرارات الإسرائيلية تمنع المقاصة. وبدلاً من أن تبتكر الشركات بدائل وحلولاً لمعاملات الشيكات الإسرائيلية، لا تخجل من تجريم المقدسي وإلقاء اللوم عليه، محملة إياه ثمن قرار إسرائيلي بامتياز، وكأن عليه وحده أن يدفع غرامة التجاذبات السياسية من قوت يومه وسمعته المالية.
أمام هذا الواقع المقلوب، نفهم تماماً الأسباب النفسية والواقعية التي تجعل المقدسي، رغم مقته العميق لليمين الإسرائيلي، يستوعب المساعي التشريعية الإسرائيلية المقترحة لحظر التأمين الفلسطيني في القدس. بل ويجد نفسه صامتاً صمتاً ينطوي على قدر من التسليم الخالي من الرضا تجاه تطبيق قوانين سير إسرائيلية صارمة بحق التجاوزات الفردية والعربدة؛ لا حباً بالإسرائيلية بل لأنها أحياناً تبدو منطقية ورادعة في الشارع، ولأنه يخشى البديل الآخر: الفوضى المطلقة وضياع الحق بالكامل بين المحاكم والعشائر دون حسيب أو رقيب. وفي النهاية، تخرج عليك الشركات في وسائل الإعلام بنشرات عاطفية تدعو لـ “دعم المؤسسات الوطنية”، بينما الواقع يخبر المقدسي أن وثيقته الوطنية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به عند أول حادث. ليبقى المقدسي يمارس هوايته الوحيدة: دفع الأقساط “كاش” في الرخاء، ودفع التكاليف كاملاً من عصبه وحقه عند الشدة، متمسكاً بالبقاء والصمود… ولو رغماً عن كل هذا الخذلان!




