التعليم عن بُعد، هل هو مَطلب؟ أم مَهرَب !..بقلم بشرى عربيات

التعليم عن بُعد، هل هو مَطلب؟ أم مَهرَب !

بقلم المستشارة التربوية : بشرى سليمان عربيات

بشرى سليمان عربيات -المنتصف
بشرى سليمان عربيات -المنتصف

صحيفة المنتصف

   لقد مرَّ على تجربة التعليم عن بعد عامٍ تقريباً، وهي تتأرجحُ تأرجحاً ملموساً، ما بين محاولاتٍ للنجاح، وما بين فشلٍ ذريعٍ انعكس بشكلٍ رئيسيّ على غالبية الطلبة في المدارس الحكومية والخاصة، ولكن كان لها الأثرُ السلبيُّ الأكبر على طلبة المدارس الحكومية الذين لا يملكون أجهزة حديثة، ولا يملكون حزم إنترنت تمكنهم من متابعة المنصات العقيمة، تلك المنصات التي لم ولن تغنيَ الطالب يوماً عن وجوده داخل الغرفة الصفيَّة، ذلك لأنه لا يوجد تفاعل بين المعلمين على تلك المنصات والطلبة، فهم بالنسبة للطلبة شخصياتٌ مجهولة، كذلك الأمر بالنسبة للمعلمين الذين لا يعرفون نوعية الطلبة الذين يتعاملون معهم، وبالتالي لم يغب الدورُ التربوي للمعلم فقط خلال عشرة أشهرٍ مضت، بل غابت أدوارٌ كثيرة لعملية التعليم من خلال ما يسمى بالتعليم عن بعد. 

   إن التعليمَ لا يُختزل في فيديوهات مسجلة يتمُّ بثُّها عبر شاشاتٍ عقيمة، التعليم عبارة عن فن وإتقان وكمية من الإخلاص، التعليم لا يتم بنجاح دون وجود تفاعل حقيقيّ بين الطلبة والمعلمين، التعليم رسالةٌ عظيمة لا يمكن اختزالها في فيديوهاتٍ عقيمة. 

   بما أنه من الواضح عدم توقف إنتشار هذا الفيروس أو غيره ، فإنه من الأكثرِ وضوحاً عدم وجود جاهزية حقيقية لدى وزارة التربية والتعليم حتى اللحظة، لذلك لا بد من إعادة النظر بشكلٍ جادٍّ ومنطقيّ لعودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة داخل الحرم المدرسيّ، فإذا كان التعليم عن بعد في مرحلةٍ معينةٍ مطلباً، فإني أراه اليوم مهرباً يُعيدُ الطلبة إلى حالةٍ مخيفةٍ من الجهل، بحيث لا يمكن التنبؤ بآثارها السلبية عليهم وعلى المجتمع بأكمله، ذلك لأن الطلبة خسروا كثيراً وكثيراً جداً، سواءً على مستوى التعليم، أو على مستوى السلوكيات والقيم. 

   أضف إلى ذلك التقييمات الإلكترونية الزائفة – باعتراف المسؤولين – نتيجة مساهمة المجتمع بأكمله في الإجابة على الإمتحانات الإلكترونية، والتي ليس لها وقت محدد كما جرت العادة، بل هي تقييماتٌ تمتدُّ حتى التاسعة مساءً ! هذه الحالة من الفوضى القيمية والمجتمعية التي تشير إلى أن وزارة التربية والتعليم تسمحُ لطلابها بتأمين الإجابات، بحجة المرونة في تأمين الإنترنت. لذلك أكرر أن عملية التعليم عن بعد باتت مهرباً وتنصُّلاً من أدنى درجات المسؤولية التي تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم. 

   لم يكن التعليم عن بعد بالشكل الذي تمَّ خلال الأشهر الماضية مطلباً، بل كان مهرباً فعلياً ليتعلمَ الطلبة عدم مواجهة أي خطرٍ يحدِّقُ بهم، كان مهرباً من عدم توعية الطلبة داخل المدرسة كيفية التعامل مع فيروس لا يُرى بالعين المجردة، بل قامت وزارة التربية والتعليم بالتشارك مع بعض أولياء الأمور بإطلاق الأطفال والمراهقين إلى الشوارع، وهم يعلمون تماماً ما هي أخطارُ الشوارع، ناهيك عن أن الحاجة المادية لبعض العائلات دفعت بأبنائهم وبناتهم إلى العمل من أجل كسب لقمة العيش، إضافةً إلى أن الدورُ التربوي لعديدٍ من الأُسَر غائب منذ سنوات نتيجة الجهل أو الترف والرفاهية ، وكان الأمل الوحيد لتنمية الجيل سلوكياً ومعرفياً هو المدرسة، بوجود فئةٍ -ربما تكون قليلة – من المعلمين والمعلمات الذين يعرفون ويدركون ما هو التعليم، وما هي أمانة المسؤولية، ولكن الوزارة بقرارها المستمر هذا، حرمت العديد من الطلبة من فرصٍ كثيرة تضافُ إلى التعليم. 

   إن الهروب من المشكلة لا يعملُ على حلِّها، بل يزيد في تعقيدها ويؤدي إلى مخاطرَ كثيرةٍ لا تُحمدُ عقباها، لقد آن الأوان لعودة الطلبة إلى مدارسهم، فهذا هو المطلب الوحيد لديهم، علماً بأنه من الطبيعي عدم المطالبة بالحقوق، ذلك لأن حقُّ التعليم مكفولٌ بالدستور الأردني. 

  نعم ، إن التعليمَ عن بعد كان مهرباً، ولكن التعليم الوجاهي هو حقٌّ لجميع الطلبة في جميع المراحل الدراسية دون استثناء، ولم يكن التعليم الوجاهيُّ يوماً مطلباً، فهل أنتم لحقوقهم معيدون ؟ 

 

شاهد أيضاً

الصحفي ليث عكروش -المنتصف

تقبل الخسارة…بقلم ليث عكروش

تقبل الخسارة..بقلم ليث عكروش صحيفة المنتصف في حياتنا نسعى دائما للارتقاء للأفضل، لكن كل واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *