“صرخات أرواح غابت عن القدس”

صحيفة المنتصف
عندما تتسكع في أزقة مدينة القدس تسرقك التفاصيل، فكل حجر في هذه المدينة خلفه ألف رواية. لكن الراوي بات يتلعثم، وغاب التلاميذ عن حصة التاريخ التي تثري سرديتنا، وبتنا نقرأ ما كتبته وزارة الآثار الإسرائيلية على أبواب القصور المهوّدة في زقاق المدينة وضواحيها. غابت الأسماء، واقتنص الراوي الحديث جزئيتنا من التاريخ فضاعت قصصنا الجميلة؛ ضاعت قرابة أربعة آلاف رواية لأربعة آلاف بيت في ضواحي القدس القديمة والحديثة منذ النكبة، وغاب من بناها.

بدأ بعضنا يبحث عن بعض لنكتب القصص الحزينة، حتى برز شاب اسمه (طارق البكري)، الذي نقّب عن القبور والحكايات والحجارة، ووثّق الشجون بإنسانية، فصرنا نتابع محاضراته كمن يتابع فيلماً وثائقياً يحكي قصة الهنود الحمر والأفارقة في صراعهم مع المحو.

في عام 1387م، اجتاح القائد المغولي “تيمورلنك” بلاد فارس وقضى على الحكم هناك في مجزرة سياسية كبرى. نجت الست “طنشق المظفرية” من الموت وهربت إلى القدس تحمل أموالها، فجاءت لاجئة إلى هنا، عابدة زاهدة، وبنت قصراً عظيماً عند “عقبة التكية” المتفرعة من شارع الواد داخل البلدة القديمة، أطلق عليه السكان محلياً “قصر ستي زليخة”. ماتت تلك السيدة ودفنت هناك، وتركت لنا هذا القصر بجماله وأقواسه وزخارفه، حتى تحول المكان لاحقاً إلى مدرسة لفقراء القدس، درستُ في صفوفها وحفظتُ شكل أقواسها. وبقي القصر مدرسة شبه مهجورة مع أسرلة المناهج، وسريان السياسات الجائرة لتهويد المدينة واستهداف المدارس الأردنية والفلسطينية ومحاربتها. لكن القصر بقي صامداً هناك، مطمعاً للغرباء، وشوكة في حلق التهويد، يلاصق المسجد الأقصى ويروي جمال الهندسة المملوكية.

وليست هذه القصور التاريخية داخل السور وحدها من يروي سيرة الفقد؛ فخارج أسوار البلدة القديمة، وتحديداً في حي “الطالبية” —الذي كان يوماً أرقى أحياء القدس الغربية قبل أن يُهجّر أهله عام 1948— تقف الشواهد لتسرد الفصول الأخرى من الحكاية.
هناك، في عام 1926، كان رجل مسيحي اسمه “حنا بشارات”، وُلد في السلط لعائلة ذات أصول نابلسية؛ أتى عابداً وتاجراً وصهراً لمدينة القدس، حيث تزوج من سيدة مقدسية من عائلة عريقة تدعى “ماتيلدا فارس”. بنى لها قصراً في “الطالبية”، وأشرف على بنائه العظيم هو وماتيلدا. كان القصر مستوحى من الطرازين العباسي والأندلسي؛ ورغم أن بشارات تعلم الهندسة في سويسرا، إلا أنها لم تسرق أحلامه، وبقي مرتبطاً بالهندسة الإسلامية، فأطلق على قصره اسم “قصر هارون الرشيد” لجماله وزخرفته الشرقية. عاش في القصر سنوات أنجب خلالها سبعة أولاد، وكان ابنه “حبيب” صاحب الحظ السعيد/التعيس؛ وُلد وتوفي في القصر وهو طفل، فكان الوحيد الذي أنهى دورة كاملة من الحياة داخل هذا القصر.
كان موت حبيب نذير شؤم، فبعدها بأعوام قليلة أصبحت العائلة لاجئة في الأردن، وصار العقار بيتاً لـ “غولدا مائير”. وحينما زارها الأمين العام للأمم المتحدة، أزالت كل المنقوشات العربية والآيات عن الجدران، وصار البيت دبلوماسياً ومقراً للأثرياء من اليهود وموظفي السفارات الأجنبية، حتى مات بشارات وماتيلدا، ولا زال أولادهم يحفظون القصة كلها.

وعلى مقربة من هناك، في حي “الشيخ بدر” المهجّر والملاصق لشارع يافا الشهير بالقدس وهو الحي الذي أقيمت فوق أنقاضه اليوم اسواق و مجمعات تجارية و بعض المحاكم و سجن توقيف المسكوبية تقف أسطورة أخرى مبنية من حجر.
في ذلك الحي، رجل مسيحي ثري جدا وبنى قصراً منيفاً لابنه الوحيد ليكون هدية زفافه. في عام 1881 تقريباً انتهى البناء، وزُينت الساحات والأسوار بالأضواء والمشاعل إيذاناً ببدء الفرح. لكن عند صباح يوم الزفاف، مات العريس المنتظر! رفضت العائلة أن تعلن وفاته وأصرت على إجراء مراسيم الزفاف؛ أجلَسوه على المقعد ورقص الجميع حوله، حتى توسطت أمه الساحة ورقصت رقصة هستيرية، ثم أطلقت زغرودة ومزقت ملابسها إشعاراً بأن هناك مصاباً جللاً.
هجر السكان البيت الذي لم يُسكن لسنوات، ورفضت العروس السكن فيه إطلاقاً، حتى اشتراه رئيس بلدية القدس في زمن الدولة العثمانية “الحاج سليم أفندي الحسيني” وحوّله إلى مستشفى حكومي يخدم كل السكان، وتحول بعدها إلى مستوصف لعزل المرضى في زمن الانتداب البريطاني، واليوم أصبح مكتباً تابعاً لوزارة الصحة الإسرائيلية لاستصدار شهادات الوفاة لسكان القدس!
كان هذا القصر بالنسبة للبسطاء قصة أسطورية ممتزجة بالواقع؛ قال الناس إنهم سمعوا صرخات الأم تدوي في المكان، وقال نزلاء المستشفى إن أرواحاً تتجول بين الغرف في ساعات الليل، حتى الإسرائيليون انفسهم قرأوا الكثير من أسفارهم وتلاواتهم في ساحة المستشفى لطرد الأرواح منه، ولا زالت قصة الصرخات مجهولة ومخيفة هناك.
حينما تتجول في تلك المدينة تسمع آلاف القصص؛ تبحث، وتضحك، وتبكي، وتضيع بين التفاصيل. لكن الخوف يطاردك وتسأل نفسك: هل ستصبح المدينة كلها قصة كتلك يرويها أولادنا؟ وهل ستصرخ أرواحنا في الأزقة ليقرأ أحد كهنتهم التوراة لطرد أرواحنا من هناك؟




