حماس فككت الحكومة ،لكنها لم تتخلَّ عن الحكم،، فمن يدير غزة فعلاً؟… بقلم باروخ يديد
مقال رأي
حماس فككت الحكومة — لكنها لم تتخلَّ عن الحكم: فمن يدير غزة فعلاً؟

صحيفة المنتصف
باروخ يديد | @i24news
قبل نحو شهر، أعلنت حماس أنها تتخلى عن الإدارة المدنية في قطاع غزة. ظاهرياً، كان يفترض أن يشكل ذلك نقطة تحوّل: حماس لم تعد العنوان المدني للقطاع، وبدلاً منها يفترض أن تنشأ آلية فلسطينية جديدة تدير حياة السكان.
لكن الصورة التي تتكشف اليوم من داخل القطاع أكثر تعقيداً بكثير.
فحماس ربما تخلت عن لقب السلطة، لكنها لم تتخلَّ عن قدرتها على السيطرة.
فبدلاً من حكومة حماس العلنية، يتبلور في غزة نموذج آخر: سيطرة من خلف الكواليس، عبر الأجهزة الأمنية، وأفراد المنظومة، والبلديات، والعشائر، والوسطاء، ومراكز توزيع الغذاء، والشبكات الاقتصادية.
وبعبارة أخرى، هناك في غزة أقل من “حكومة حماس”، وأكثر من حماس التي تدير أجزاء من الحكومة من وراء الستار.
وربما تكون هذه واحدة من أهم التطورات لفهم اليوم التالي للحرب: غزة ليست بلا سلطة، وإنما تُدار عبر طبقات متعددة.
ولفهم من يدير القطاع فعلاً، لا يكفي أن نعرف من يجلس في مكتب حكومي أو من يوقع على وثيقة. لذلك يجب طرح سؤال مختلف:
من يصدر الأوامر في غزة، ومن يملك القدرة على فرضها؟
الإجابة تختلف من مجال إلى آخر.
في المجال المدني، تحاول البلديات استئناف عملها.
وفي المجال الأمني، لا تزال حماس تمتلك قدرة كبيرة على استخدام القوة.
وفي المجال الاجتماعي، تملأ العشائر جزءاً من الفراغ.
وفي المجال الاقتصادي، يتنافس التجار والوسطاء والعصابات ومراكز النفوذ على الموارد.
أما في المجال السياسي، فقد بدأت حماس بالفعل تنظر إلى ما هو أبعد من غزة، إلى الانتخابات الفلسطينية وإلى سؤال من سيحكم في اليوم التالي.
لذلك، فإن الصورة في غزة ليست صورة “سلطة واحدة”، وإنما نظام متعدد الطبقات، لا تحتاج فيه حماس إلى السيطرة على كل شيء كي تبقى القوة الأقوى.
عشرة مجالات — وعشرة مراكز قوة في القطاع
1. الأمن وفرض النظام: لا يزالان في يد حماس
هذا هو المجال الأهم.
حتى لو جرى تفكيك الجهاز المدني التابع لحماس رسمياً، فإن القدرة على استخدام القوة لا تختفي معه. فمن يملك السلاح، والمعلومات الاستخبارية، وقدرات التحقيق والاعتقال، يملك مفتاح الحكم الفعلي.
وبحسب معلومات تصل من داخل القطاع، تواصل حماس تشغيل آليات للترهيب والتحقيق، ومن بين ذلك ادعاءات بشأن وجود مرافق للتحقيق داخل منشآت طبية.
وإذا ما تأكدت هذه المعلومات، فإن معناها واضح: الجهاز الأمني لا يزال قائماً حتى في الوقت الذي يفترض فيه تفكيك الجهاز المدني.
أي أن حماس تستطيع التخلي عن المكتب، من دون أن تتخلى عن القوة التي تقف خلفه.
2. البلديات: عامل مدني مركزي، ولكن داخل “بيئة قوة حماس”
هنا نشهد واحدة من أكثر التطورات إثارة للاهتمام.
بلدية غزة عادت إلى العمل على خطوط الصرف الصحي، وبلدية المغازي تعمل على إزالة الركام وفتح الطرق، وبلدية خان يونس تحاول إعادة تأهيل المدينة في إطار حملة “خان يونس الجميلة”، فيما تعمل بلدية جباليا على تشغيل مولدات لإعادة تأهيل آبار المياه.
ظاهرياً، يمكن اعتبار ذلك دليلاً على عودة الإدارة المحلية.
لكن ينبغي الحذر من هذا الاستنتاج.
فالبلدية يمكن أن تكون مستقلة إدارياً، لكنها لا تزال تعمل داخل بيئة يكون فيها الطرف المسلح الأقوى هو حماس، انظروا مثلاً إلى وضع رئيس بلدية غزة.
لذلك فإن البلديات هي اليوم آلية لتقديم الخدمات، وليس بالضرورة آلية للسيادة.
3. الغذاء والمساعدات: في يد مراكز قوة موزعة
الغذاء هو أحد أهم مصادر القوة في القطاع.
وبحسب مصادر من داخل غزة، تصل خطوط توزيع الغذاء أيضاً إلى عصابات وجهات محلية مرتبطة بمراكز نفوذ مختلفة.
والنتيجة هي أن من يسيطر على توزيع الغذاء يستطيع التأثير على السكان حتى من دون وجود مكتب حكومي.
في غزة اليوم، يمكن لكيس الطحين، أو شاحنة مساعدات، أو نقطة توزيع، أن تتحول إلى أداة من أدوات الحكم.
وعندما تنجح حماس في التأثير على من يسيطر على نقاط التوزيع، فإنها لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة بنفسها على كل شاحنة.
السيطرة يمكن أن تكون غير مباشرة.
4. الحركة والخروج من القطاع: حماس أيضاً تملك نفوذاً في هذا المجال
السيطرة على حركة السكان هي أيضاً مصدر قوة.
وقد أصبحت مسألة الخروج عبر معبر رفح مورداً بالغ الأهمية.
وتتحدث مصادر من داخل القطاع عن دفع عشرات آلاف الدولارات مقابل خروج مرضى إلى مصر. وهذه الأرقام تحتاج إلى تحقق مستقل، لكن مجرد وجود مثل هذه الادعاءات يشير إلى نشوء سوق من الوسطاء والقوائم والمدفوعات حول القدرة على مغادرة القطاع.
فإذا كان بإمكان أي جهة التأثير على من يدخل القائمة ومن يبقى خارجها، فإنها تمتلك قوة سياسية واجتماعية هائلة.
وهذه لم تعد مجرد مسألة حدود.
إنها مسألة سيطرة على السكان.
5. الصحة: منظومة مدنية تحولت إلى مساحة نفوذ
من المفترض أن تكون المستشفيات واحدة من أكثر المساحات المدنية وضوحاً.
لكن وفقاً لمعلومات تصل من داخل القطاع، تجري داخل بعض المنشآت الطبية أيضاً أنشطة مرتبطة بجهات أمنية وتحقيقية.
والادعاءات المتعلقة بمستشفى ناصر ومستشفى شهداء الأقصى تحتاج إلى الفحص والتحقق، لكن إذا ثبتت صحتها، فسيكون ذلك مؤشراً مهماً على تلاشي الحدود بين المجال المدني والمنظومة الأمنية.
وهنا يكمن الفرق بين “الحكومة” و**”القوة الحاكمة”**.
الحكومة تحتاج إلى مكتب.
أما القوة الحاكمة فتحتاج فقط إلى القدرة على دخول المكتب وإصدار الأوامر للآخرين.
6. العشائر: قوة اجتماعية وليست بالضرورة بديلاً عن حماس
أصبحت العشائر في غزة لاعباً أكثر أهمية كلما ضعفت السلطة المركزية.
فهي تحاول حل النزاعات، وتوفير الحماية، والوساطة بين العائلات، وأحياناً المشاركة في آليات توزيع المساعدات.
لكن العشائر ليست بالضرورة بديلاً عن حماس.
في معظم الحالات، تعمل داخل البيئة نفسها التي تهيمن عليها مراكز القوة المسلحة.
لذلك، عندما تدعو عشائر إلى وقف إطلاق النار مع بقاء سلاح حماس في يدها، لا ينبغي بالضرورة اعتبار ذلك تمرداً على حماس.
قد يكون الأمر، على العكس، محاولة للتوصل إلى تسوية:
الهدوء في الشوارع، ولكن من دون تفكيك القوة المسلحة لحماس.
7. الجريمة: في الشوارع، وفي ظل غياب الحكم، تتصاعد الجريمة
هنا يظهر أحد أكبر التحديات.
فجهات معنية بشؤون العشائر تتحدث عن ارتفاع في جرائم القتل والسرقة والنهب، إلى جانب انتشار الجريمة والمخدرات.
وهذه علامة كلاسيكية على وجود فراغ في السلطة.
فعندما تضعف الدولة، يبدأ السوق الإجرامي في احتلال مكانها.
لكن هنا يوجد أيضاً تناقض مهم:
الجريمة لا تؤدي بالضرورة إلى إضعاف حماس.
ففي بعض الحالات، يمكن أن تزيد من أهميتها.
فكلما ازدادت الفوضى في الشوارع، ارتفع الطلب على جهة قادرة على فرض النظام.
وهذا يسمح لحماس بتقديم نفسها ليس فقط باعتبارها الجهة التي تمتلك السلاح، وإنما باعتبارها الجهة القادرة على منع الفوضى الشاملة.
8. المال والاقتصاد: السيطرة من خلال الندرة
هنا أيضاً لم تعد هناك “وزارة مالية تابعة لحماس” بالشكل الذي عرفناه سابقاً.
لكن لا تزال هناك مراكز نفوذ اقتصادية.
نقص السيولة النقدية، وارتفاع الأسعار، والوساطة، والتهريب، وجباية المدفوعات والسيطرة على الموارد، كلها أصبحت جزءاً من منظومة القوة.
فعندما يكون المال قليلاً والاحتياجات كثيرة، يصبح من يملك السيولة أو البضائع أو القدرة على الوصول إلى الموارد لاعباً سياسياً.
ولهذا يمكن حتى للاقتصاد الموازي أن يتحول إلى أداة من أدوات الحكم.
9. المؤسسات المدنية: التعليم والدين والعمل
وبالتوازي مع كل ذلك، لم تختفِ المنظومة المدنية.
فوزارة التربية والتعليم تعمل على معالجة تداعيات الحرب على التعليم العالي.
ووزارة العمل تدفع ببرامج للتدريب المهني.
ودائرة المساجد تنظم دورات في المجال الديني.
كما تعمل آليات المصالحة على تسوية الخلافات بين العائلات والجهات المحلية.
وكل ذلك ينتج صورة مثيرة للاهتمام:
المؤسسات المدنية في غزة لم تختفِ، بل بدأت تتحرك من جديد.
والسؤال هو: من سيتمكن من السيطرة عليها عندما تحين لحظة الحسم؟
10. السياسة: حماس تنظر بالفعل إلى الضفة الغربية
وربما يكون هذا هو الجزء الأهم.
حماس لا تكتفي بالبقاء على قيد الحياة في غزة، وإنما تريد أن تبقى لاعباً في النظام السياسي الفلسطيني.
إن إعلانها نيتها المشاركة في الانتخابات، ودعوتها الفلسطينيين إلى التسجيل في سجل الناخبين، يدلان على أن الحركة لا ترى نفسها قوة مؤقتة ينبغي أن تختفي بعد الحرب.
على العكس.
يمكن أن تكون استراتيجيتها:
في غزة: نحافظ على القوة.
في النظام السياسي الفلسطيني: نحصل على الشرعية.
وفي الانتخابات: نحول القوة العسكرية والاجتماعية إلى رأس مال سياسي.
ثلاثة أوجه لحماس
يبدو أننا أمام ثلاثة أوجه لحماس:
حماس كحكومة: ضعفت بشكل كبير، وربما تخلت بالفعل رسمياً عن المسؤولية المدنية المباشرة.
حماس كتنظيم أمني وعسكري: لا تزال تمتلك القدرة على استخدام القوة والتأثير على الشارع.
حماس كحركة سياسية واجتماعية: تحاول البقاء جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني وبناء شرعية لنفسها في اليوم التالي.
وهذه الأوجه الثلاثة يمكن أن تتعايش في الوقت نفسه.
وهنا تكمن المشكلة في محاولة الإجابة عن سؤال: هل لا تزال حماس تحكم غزة؟
الإجابة ليست نعم أو لا.
الأدق هو القول إن حماس قد تكون تخلت عن الحكم المباشر، لكنها تحاول الحفاظ على القدرة على الحكم.
أي أنها قد تتخلى عن المسؤولية، من دون أن تتخلى عن النفوذ.
حماس تخلت عن الحكومة، ولكن هل تخلت عن الحكم؟
قد لا تكون حماس قد تخلت عن الحكم فعلاً.
ربما تخلت عن المسؤولية المباشرة عن الحكم.
وهذا فرق هائل.
إذا لم تتمكن بلدية من رفع النفايات، فهذه لم تعد بالضرورة “مشكلة حماس”.
إذا ارتفعت أسعار المواد الغذائية، يمكن لحماس أن تقول إن ذلك من مسؤولية الإدارة الجديدة.
وإذا انتشرت الجريمة، يمكن توجيه أصابع الاتهام إلى العشائر.
لكن عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة، أو حل النزاعات، أو فرض النظام، أو حماية مصالح الحركة، يمكن لحماس أن تبقى خلف الكواليس.
وهذا نموذج أكثر راحة بالنسبة إليها:
مسؤولية أقل — ونفوذ يكاد يكون نفسه.
والخطر الأكبر: قيام “حكم الظل”
إذا ترسخ هذا النموذج، فقد تصل غزة إلى وضع توجد فيه سلطتان.
الأولى: سلطة رسمية ومدنية ودولية يفترض أن تقدم الخدمات.
والثانية: سلطة غير رسمية ومسلحة تقوم على شبكات النفوذ.
الأولى تحتاج إلى الشرعية.
أما الثانية فتحتاج فقط إلى القدرة على استخدام القوة.
وهذه المسافة بينهما هي بالضبط المكان الذي تستطيع حماس أن تبقى فيه لاعباً رئيسياً.
لذلك، فإن السؤال في اليوم التالي لن يكون فقط: من سيترأس الحكومة؟ أو من سيدير البلدية؟
السؤال الحقيقي سيكون:
من يسيطر على الشرطة؟
من يسيطر على الشارع؟
من يسيطر على المعابر؟
من يسيطر على الغذاء؟
من يسيطر على المال؟
من يسيطر على العشائر؟
والأهم:
من يستطيع إصدار أمر لا يجرؤ أحد على تجاهله؟
إذا كانت الإجابة عن معظم هذه الأسئلة لا تزال تقود إلى حماس، أو إلى جهات واقعة تحت نفوذها، فإن حماس لم تخرج فعلياً من الحكم.
إنها فقط غيّرت شكل حكمها.
من الحكم المباشر إلى الحكم غير المباشر.
والخلاصة
غزة لا تعود إلى حكم حماس بالشكل الذي عرفناه قبل الحرب.
لكنها في الوقت نفسه لا تخرج بالكامل من نفوذها.
ما يتشكل الآن هو شيء مختلف:
حماس كحكومة — تضعف.
حماس كقوة عسكرية — تبقى.
حماس كقوة أمنية — تواصل التأثير.
حماس كقوة اجتماعية — لا تزال موجودة.
حماس كحركة سياسية — تستعد للانتخابات.
وفي المساحة بين كل هذه المستويات، تتحرك البلديات والعشائر والعصابات والوسطاء والمؤسسات المدنية، في محاولة لإعادة الحياة إلى مسارها.
لذلك، فإن عنوان “حماس فككت الحكومة” قد يكون مضللاً.
العنوان الأدق ربما هو:
حماس فككت الحكومة — لكنها تحاول الحفاظ على الحكم.
ليس من خلال مكتب.
وليس من خلال لافتة.
وليس بالضرورة من خلال موظف حكومي.
بل من خلال من يملك في نهاية المطاف القدرة على تحديد من يفعل ماذا، ومن يحصل على ماذا، ومن يدفع الثمن إذا رفض.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لليوم التالي في غزة:
ليس من سيجلس في المكتب، وإنما من سيصدر الأمر.



